إنّهم بالحديث عن الله محجوبون ، ويدّعي لنفسه أنّه الواصل إلى الحقّ وأنّه من المقرّبين ، وهو عند الله من الفجّار المنافقين ، وعند أرباب القلوب من الحمقى الجاهلين ، ولم يحكم قطَّ علما ولم يهذّب خلقا ، ولم يرتّب عملا ، ولم يراقب قلبا سوى اتّباع الهوى وتلقّف الهذيان وحفظه .
وفرقة أخرى وقعت في الإباحة وطووا بساط الشرع ورفضوا الأحكام وسوّوا بين الحلال والحرام ، فبعضهم يزعم أنّ الله مستغن عن عملي فلم أتعب نفسي ، وبعضهم يقول : قد كلَّفوا الناس تطهير القلوب عن الشهوات وعن حبّ الدّنيا وذلك محال ، فقد كلَّفوا ما لا يمكن وإنّما يغترّ به من لم يجرّب وأمّا نحن فقد جرّبنا وأدركنا أنّ ذلك محال . ولا يعلم الأحمق أنّ الناس لم يكلَّفوا قلع الشهوة والغضب من أصلهما بل كلَّفوا تأديبهما بحيث ينقاد كلّ واحد منهما لحكم العقل والشرع ، وبعضهم يقول : الأعمال بالجوارح لا وزن لها وإنّما النظر إلى القلوب وقلوبنا والهة إلى حبّ الله ، وواصلة إلى معرفة الله ، وإنّما نخوض في الدّنيا بأبداننا وقلوبنا عاكفة في الحضرة الرّبوبيّة فنحن مع الشهوات بالظواهر لا بالقلوب ، ويزعمون أنّهم قد ترقّوا عن رتبة العوام واستغنوا عن تهذيب النّفس بالأعمال البدنيّة وإنّ الشهوات لا تصدّهم عن طريق الله تعالى لقوّتهم فيها ويرفعون درجتهم على درجة الأنبياء عليهم السّلام إذ كان يصدّهم عن طريق الله تعالى خطيئة واحدة حتّى كانوا يبكون عليها وينوحون سنين متوالية .
وأصناف غرور أهل الإباحة من المتشبّهين بالصوفيّة لا تحصى ، وكلّ ذلك بناء على أغاليط ووساوس يخدعهم الشيطان بها لاشتغالهم بالمجاهدة قبل إحكام العلم ، ومن غير اقتداء بشيخ متقن في الدّين والعلم الصالح للاقتداء وإحصاء أصنافهم يطول .
وفرقة أخرى جاوزت حدّ هؤلاء وأحسنت الأعمال وطلَّقت الحلال واشتغلت بتفقّد القلب وصارت أحدهم تدّعي المقامات من الزّهد والتوكَّل والرّضا والحبّ من غير وقوف على حقيقة هذه المقامات وشروطها وعلاماتها وآفاتها ، فمنهم من يدّعي الوجد والحبّ لله تعالى ويزعم أنّه واله بالله ، ولعلَّه قد تخيّل في الله تعالى خيالات هي بدعة أو كفر فيدّعي حبّ الله قبل معرفته ، ثمّ إنّه لا يخلو عن مقارفة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 340
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٤٠