فليكوننّ لي في الآخرة خير من هذا ، وكذلك وصف الله قول العاص بن وائل [ 1 ] إذ يقول : « لأوتينّ مالا وولدا » فقال الله تعالى ردّا عليه : « أطَّلع الغيب أم اتّخذ عند الرّحمن عهدا كلا » . وروي عن خبّاب بن الأرتّ [ 2 ] أنّه قال : كان لي على العاص بن وائل دين
هامش
[ 1 ] عاص بن وائل السهمي فهو الشقي الأبتر شانئ النبيّ ( ص ) الذي نزلت فيه : « ان شانئك هو الأبتر » وهو من المعادين للنبي صلَّى الله عليه وآله والمستهزئين به وهو الذي لقب في الإسلام بالأبتر لقوله « سيموت هذا الأبتر غدا فينقطع ذكره » يعنى رسول الله صلَّى الله عليه وآله . وهو من الذين روّعوا زينب بنت رسول الله صلَّى الله عليه وآله في هودجها حتى أجهضت جنينا ميتا فلما بلغه ( ص ) لعنهم . وهو أبو عمرو بن العاصي المعروف الذي كشف عن سوءته يوم صفين وكفى أباه بهذا الابن فخرا وبالعكس أيضا ؟ .
[ 2 ] خباب - كشداد - ابن الأرت - بالراء المهملة والتاء المثناة المشددة - صحابي بدري من فضلاء المهاجرين الأولين ، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد مع رسول الله صلَّى الله عليه وآله ، وكان قديم الإسلام ممن عذب في الله وصبر على دينه نزل الكوفة ومات بها سنة 37 أو سنة 39 . روى أن قريشا أوقدت له نارا وسحبوه عليها فما أطفئوها إلا ودك ظهره ، وكان أثر النار ظاهرا عليه في جسده ولما رأى عمر ظهره قال : ما رأيت كاليوم ظهر رجل مثله وفي أسد الغابة : انهم ألبسوه الدرع الحديد وصهروه في الشمس فبلغ منه الجهد ولم يعط الكفار ما سألوه وروى أن فيه وفي سلمان وأبي ذر وعمار أنزل الله تعالى : « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه . » وعن ابن عبد البر في الاستيعاب وابن أبي الحديد في شرح النهج أنه شهد صفين والنهروان ولكن يظهر من نصر بن مزاحم أنه لم يشهد صفين ولا النهروان بل مات بالكوفة وأمير المؤمنين عليه السّلام كان بصفين فلما رجع من صفين رأى قبره بظاهر الكوفة . وروى أنه كان في سفر فشكت بنيته إلى النبي صلَّى الله عليه وآله نفاد النفقة ، قال النبي صلَّى الله عليه وآله : ايتيني بشويه لكم فمسح يده على ضرعها فكانت تدر إلى انصراف خباب . وقال الطبرسي : كان خباب رجلا غنيا وله على العاص بن وائل دين فأتاه يتقاضاه فقال : لا أقضيك حتى تكفر بمحمد قال : لن أكفر به حتى نموت ونبعث . وفي المناقب باع خباب بن الأرت سيوفا من العاص بن وائل فجاءه يتقاضاه فقال : أليس يزعم محمد أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب وفضة وثياب وخدم ؟ قال : بلى ، قال : « فأنظرني أقضك هناك حقك فوالله لا تكون هناك وأصحابك عند الله آثر منى فنزلت : « أفرأيت الذي كفر بآياتنا - إلى قوله
- فردا » وفي إعلام الورى ص 57 عن خباب قال : أتيت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وهو متوسد برده وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة ، فقلت : ألا تدعو الله ، فقعد وهو محمر وجهه فقال : لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه . رواه البخاري [ ج 5 ص 56 ]
وقال ابن أبي الحديد :
خباب من فقراء المسلمين وخيارهم وكان في الجاهلية قينا يعمل السيوف وهو قديم الإسلام انتهى . وقد كان خباب في أول أمره غنيا كما قال الطبرسي - ره - فلما أسلم أخذت كفار قريش أمواله ففر بدينه وهاجر إلى المدينة فصار من فقراء المسلمين راجع سفينة البحار ج 1 ص 372 . روى أن أمير المؤمنين عليه السّلام لما أقبل من صفين دخل الكوفة فجاز دور بني عوف فرأى قبورا سبعة أو ثمانية فقال : ما هذه القبور ؟ فقيل : ان خباب بن الأرت توفى بعد مخرجك فأوصى أن يدفن في الظهر وكان الناس يدفنون في دورهم وأفنيتهم فدفن الناس إلى جنبه ، فقال : « رحم الله خبابا فقد أسلم طائعا وعاش مجاهدا وابتلى في جسده أحوالا ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا » ، ثم جاء حتى وقف عليهم وقال : « السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة من المؤمنين - إلى آخر ما قال عليه السّلام - » .