تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠

ومرّة ينظرون إلى المؤمنين وهم فقراء شعث غبر ، فيزدرون بهم ويستحقرونهم فيقولون : « أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا » ( 1 ) ويقولون : « لو كان خيرا ما سبقونا إليه » ( 2 ) وترتيب القياس الَّذي نظمه الشيطان في قلوبهم أنّهم يقولون : قد أحسن الله إلينا بنعيم الدّنيا وكلّ محسن فهو محبّ وكلّ محبّ فإنّه يحسن في المستقبل ، أيضا كما قال الشاعر : كما أحسن الله فيما مضى * كذلك يحسن فيما بقي فإنّما يقيس المستقبل على الماضي برابطة الكرامة والحبّ إذ يقول : لولا أنّي كريم عند الله ومحبوب لما أحسن إليّ ، والتلبيس تحت ظنّه أنّ كلّ محسن محبّ لا بل تحت ظنّه أنّ إنعامه عليه في الدّنيا إحسان ، فقد أغترّ بالله إذ يظنّ أنّه كريم عنده بدليل لا يدلّ على الكرامة بل عند ذوي البصائر يدلّ على الهوان ، ومثاله أن يكون عند الرّجل عبدان صغيران يبغض أحدهما ويحبّ الآخر فالَّذي يحبّه يمنعه من اللَّعب ويلزمه المكتب ويحبسه فيه ليعلَّمه الأدب ، ويمنعه من الفواكه وملاذّ الأطعمة الَّتي تضرّه ويسقيه الأدوية الَّتي تنفعه ، والَّذي يبغضه يهمله ليعيش كيف يريد فيلعب ولا يدخل المكتب ويأكل كلّ ما يشتهي فيظنّ هذا العبد المهمل أنّه عند سيّده محبوب كريم لأنّه مكَّنه من شهواته ولذّاته وساعده على جميع أعراضه فلم يمنعه ولم يحجر عليه ، وذلك محض الغرور ، وهكذا نعيم الدّنيا ولذّاتها فإنّها مهلكات ومبعدات من الله تعالى وإنّ الله يحمي عبده من الدّنيا وهو يحبّه كما يحمي أحدكم مريضه الطعام والشراب وهو يحبّه . هكذا ورد في الخبر ( 3 ) وكان أرباب البصائر إذ أقبلت عليهم الدّنيا حزنوا وقالوا : ذنب عجّلت عقوبته ورأوا ذلك أمارة المقت والإهمال ، وإذا أقبل عليهم الفقر قالوا : مرحبا بشعار الصالحين ، والمغرورون إذا أقبلت الدّنيا عليهم ظنّوا أنّها كرامة من الله وإذا صرفت عنهم ظنّوا أنّه هوان كما أخبر الله تعالى عنه إذ قال : « فأمّا الإنسان إذا ما ابتلاه ربّه فأكرمه ونعّمه . فيقول ربّي أكرمن »

هامش
( 1 ) الانعام : 53 .
( 2 ) الأحقاف : 10 .
( 3 ) أخرجه الترمذي وحسنه والحاكم ج 4 ص 309 وصححه من حديث قتادة بن النعمان .