من خواطره ولا يفرح بخاطر غيره فيصرّ عليه ولا يسمع نصح ناصح ولا وعظ واعظ بل ينظر إلى غيره بعين الاستجهال ويصرّ على خطائه فإن كان رأيه في أمر دنيوي فيحقّق فيه وإن كان في أمر ديني لا سيّما فيما يتعلَّق بأصول العقائد فيهلك به ، ولو اتّهم نفسه ولم يثق برأيه واستضاء بنور القرآن ، واستعان بعلماء الدّين ، وواظب على مدارسة العلم ، وتابع سؤال أهل البصيرة ، لكان ذلك يوصله إلى الحقّ فهذا وأمثاله من آفات العجب فلذلك كان من المهلكات ومن أعظم آفاته أن يفتر في السعي لظنّه أنّه قد فاز واستغنى وهو الهلاك الصريح الَّذي لا شبهة فيه .
* ( بيان حقيقة العجب والإدلال وحدّهما ) *
اعلم أنّ العجب إنّما يكون بوصف هو كمال لا محالة وللعالم بكمال نفسه في علم وعمل ومال وغيره حالتان إحداهما أن يكون خائفا على زواله ، مشفقا على تكدّره أو سلبه من أصله فهذا ليس بمعجب ، والأخرى أن لا يكون خائفا من زواله لكن يكون فرحا به من حيث إنّه نعمة من الله تعالى عليه لا من حيث إضافته إلى نفسه وهذا أيضا ليس بمعجب ، وله حالة ثالثة هي العجب وهو أن يكون غير خائف عليه بل يكون فرحا به مطمئنّا إليه ويكون فرحه به من حيث إنّه كمال ونعمة ورفعة وخير لا من حيث إنّه عطية من الله تعالى ونعمة منه فيكون فرحه به من حيث إنّه صفته ومنسوب إليه بأنّه له لا من حيث إنّه منسوب إلى الله بأنّه منه فمهما غلب على قلبه أنّه نعمة من الله مهما شاء سلبها عنه زال العجب بذلك عن نفسه ، فإذن العجب هو إعظام النعمة والرّكون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم فإن انضاف إلى ذلك إن غلب على نفسه أنّ له عند الله حقّا وأنّه منه بمكان حتّى يتوقّع بعمله كرامة له في الدّنيا واستبعد أن يجري عليه مكروه استبعادا يزيد على استبعاده ما يجري على الفسّاق سمّي هذا إدلالا بالعمل فكأنّه يرى لنفسه على الله دالَّة وكذلك قد يعطي غيره شيئا فيستعظمه ويمنّ عليه فيكون معجبا فإن استخدمه أو اقترح عليه الاقتراحات أو استبعد تخلَّفه عن قضاء حقوقه كان مدلا عليه .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 276
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٧٦