تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩

وإنّما هو محلّ لفيضان فضل الله وجوده والمحلّ أيضا من جوده وفضله . فان قلت : لا يمكنني أن أجهل أعمالي ؟ وإنّي أنا عملتها وإنّي أنتظر عليها ثوابا ولولا أنّها عملي لما انتظرت الثواب فإن كانت الأعمال مخلوقة لله على سبيل الاختراع فمن أين لي الثواب وإن كانت الأعمال منّي وبقدرتي فكيف لا أعجب بها ؟ . فاعلم أنّ جوابك من وجهين : أحدهما وهو صريح الحقّ والآخر فيه مسامحة . أمّا صريح الحقّ فهو أنّك وقدرتك وإرادتك وحركتك وجميع ذلك من خلق الله واختراعه فما عملت إذ عملت وما صلَّيت إذ صلَّيت ، قال الله تعالى : « وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى » ( 1 ) هذا هو الحقّ الَّذي انكشف لأرباب القلوب بمشاهدة أوضح من إبصار العين ، بل خلقك ، وخلق أعضاءك ، وخلق فيها القوّة والقدرة والصحّة ، وخلق لك العقل والعلم ، وخلق لك الإرادة ولو أردت أن تنفي شيئا من ذلك عن نفسك لم تقدر عليه ، ثمّ خلق الحركات في أعضائك مستبدّا باختراعه من غير مشاركة له من جهتك معه في الاختراع إلا أنّه خلقها على ترتيب فلم يخلق الحركة ما لم يخلق في العضو قوّة وفي القلب إرادة ولم يخلق إرادة ما لم يخلق علما بالمراد ، ولم يخلق العلم ما لم يخلق القلب الَّذي هو محلّ العلم فتدريجه في الخلق شيئا بعد شيء هو الَّذي خيّل إليك أنّك أوجدت عملك وقد غلطت ، وإيضاح ذلك وكيفيّة الثواب على عمل هو من خلق الله سيأتي تقريره في كتاب الشكر فإنّه أليق به فارجع إليه ونحن الآن نزيل إشكالك بالجواب الثاني الَّذي فيه مسامحة مّا . وهو أن تحسب أنّ العمل حصل بقدرتك فمن أين قدرتك ولا يتصوّر العمل إلا بوجودك وبوجود علمك وإرادتك وقدرتك وسائر أسباب عملك وكلّ ذلك من الله تعالى لا منك ، فإن كان العمل بالقدرة فالقدرة مفتاحه وهذا المفتاح بيد الله تعالى ومهما لم يعطك المفتاح فلا يمكنك العمل ، فالعبادات خزائن بها يتوصّل إلى السعادات ومفاتيحها القدرة والإرادة والعلم وهي بيد الله لا محالة ، أرأيت أنّك لو رأيت خزائن الدّنيا مجموعة في قلعة حصينة ومفتاحها بيد خازن ولو جلست على بابها

هامش
( 1 ) الأنفال : 17 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 279 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري