فكذلك البدن مركب النفس يقطع به مسافة العمر فتعهّد البدن بما تبقى به قوّته على سلوك الطريق بالعلم والعمل هو من الآخرة لا من الدّنيا ، نعم إذا قصد تلذّذ البدن وتنعّمه بشيء من هذه الأسباب كان منحرفا عن الآخرة ويخشى على قلبه القسوة . قال الطنافسي : كنت على باب بني شيبة في المسجد الحرام سبعة أيّام طاويا فسمعت في اللَّيلة الثامنة مناديا وأنا بين اليقظة والنوم - يقول : ألا إنّ من أخذ من الدّنيا أكثر ممّا يحتاج إليه أعمى اللَّه عين قلبه ، فهذا بيان حقيقة الدّنيا . * ( بيان ماهيّة الدنيا في نفسها ) * * ( وأشغالها الَّتي استغرقت همم الخلق حتى أنستهم أنفسهم ) * * ( وخالقهم وموردهم ومصدرهم ) * اعلم أنّ الدّنيا عبارة عن أعيان موجودة وللانسان فيها حظَّ وله في إصلاحها شغل فهذه ثلاثة أمور قد يظنّ أنّ الدّنيا عبارة عن آحادها وليس كذلك أمّا الأعيان الموجودة الَّتي الدّنيا عبارة عنها فهي الأرض وما عليها ، قال اللَّه تعالى : « إنّا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيّهم أحسن عملا » ( 1 ) فالأرض فراش للآدميّين ومهاد ومسكن ومستقرّ ، وما عليها لهم ملبس ومطعم ومشرب ومنكح ، ويجمع ما على الأرض ثلاثة أقسام المعادن والنبات والحيوان ، وأمّا المعادن فيطلبها الآدميّ للآلات والأواني كالنحاس والرصاص وللنقد كالذّهب والفضّة ولغير ذلك من المقاصد ، وأمّا النبات فيطلبها الآدميّ للاقتيات وللتداوي ، وأمّا الحيوان فينقسم إلى الإنسان والبهائم ، أمّا البهائم فيطلب لحومها للمأكل وظهورها للمركب والزّينة ، وأمّا الإنسان فقد يطلب الآدميّ أن يملك أبدان الناس ليستخدمهم ويستسخرهم كالغلمان أو ليتمتّع بهم كالجواري والنّسوان ويطلب قلوب الناس ليملكها فيغرس فيها التعظيم والإكرام وهو الَّذي يعبر عنه بالجاه إذ معنى الجاه ملك قلوب الآدميّين فهذه هي الأعيان الَّتي يعبّر عنها بالدّنيا وقد جمعها اللَّه تعالى في قوله « زيّن للناس
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 27
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٧
هامش
( 1 ) الكهف : 7 .