تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
حتّى النحّاس والإبري وغيرهما ، وغرضنا ذكر الأجناس فأمّا آحاد الحرف فكثيرة ، وأمّا الخرّاز فنعني به كلّ عامل على جلود الحيوانات وأجزائها فهذه أمّهات الصناعات ، ثمّ إنّ الإنسان خلق بحيث لا يعيش وحده بل يضطر إلى الاجتماع مع غيره من أبناء جنسه وذلك بسببين أحدهما حاجته إلى النسل لبقاء جنس الإنسان ولا يكون ذلك إلا باجتماع الذّكر والأنثى وعشرتهما ، والثاني التعاون على تهيئة أسباب المطعم والملبس ولتربية الولد فإنّ الاجتماع يفضي إلى الولد لا محالة والواحد لا يستقلّ بحفظ الولد وتهيئة أسباب القوت ، ثمّ ليس يكفيه الاجتماع مع الأهل والولد في المنزل ، بل لا يمكنه أن يعيش كذلك ما لم تجتمع طائفة كثيرة ليتكفّل كلّ واحد بصناعة فانّ الشخص الواحد كيف يتولَّى الفلاحة وحده وهو محتاج إلى الآلات ، ويحتاج الآلة إلى حدّا ونجّار ، ويحتاج الطعام إلى طحّان وخبّاز ، وكذلك كيف يتفرّد لتحصيل الملبس وهو يفتقر إلى حراثة القطن وآلات الحياكة والخياطة وأعمال كثيرة ، فلذلك امتنع عيش الإنسان وحده وحدثت الحاجة إلى الاجتماعات ، ثم لو اجتمعوا في صحراء مكشوفة لتأذّوا بالحرّ والبرد والمطر واللَّصوص فافتقروا إلى أبنية محكمة ومنازل يتفرّد أهل كلّ بيت به وبما معه من الآلات والأثات والمنازل تدفع الحرّ والبرد وتدفع أذى الجيران من اللَّصوصية وغيرها ، ولكن جميع المنازل قد تقصدها جماعة من اللَّصوص خارج المنازل ، فافتقر أهل المنازل إلى التناصر والتعاون والتحصّن بسور يحيط بجميع المنازل ، فحدثت البلاد لهذه الضرورة ، ثمّ مهما اجتمع الناس في البلاد والمنازل وتعاملوا تولَّدت بينهم خصومات إذ تحدث رئاسة وولاية للزّوج على الزوجة ، وولاية للأبوين على الولد لأنّه ضعيف محتاج إلى قوّام به ، ومهما حصلت الولاية على عاقل أفضى إلى الخصومة بخلاف الولاية على البهائم إذ ليس لها قوّة المخاصمة وإن ظلمت وأمّا المرأة فتخاصم الزّوج ، والولد يخاصم الأبوين هذا في المنزل ، وأمّا أهل البلد أيضا فيتعاملون في الحاجات ويتنازعون فيها ولو تركوا كذلك لتقاتلوا وهلكوا ، وكذلك الرّعاة وأرباب الفلاحة يتواردون على المراعي والأراضي والمياه وهي لا تفي بأغراضهم فيتنازعون لا محالة ثمّ قد يعجز بعضهم عن