حبّ الشهوات من النساء والبنين » ( 1 ) وهذا من الأنس « والقناطير المقنطرة من الذّهب والفضّة » وهذا من الجواهر والمعادن وفيه تنبيه على غيرها من اللآلي واليواقيت « والخيل المسوّمة والأنعام » وهي البهائم والحيوانات « والحرث » وهو النبات والزرع فهذه هي أعيان الدّنيا إلا أنّ لها مع العبد علاقتين علاقة مع القلب وهو حبّه لها وحظَّه منها وانصراف همّه إليها حتّى يصير قلبه كالعبد أو المحبّ المستهتر بالدّنيا ويدخل في هذه العلاقة جميع صفات القلب المتعلَّقة بالدّنيا كالكبر والغلّ والحسد والرّياء والسمعة وسوء الظنّ والمداهنة وحبّ الثناء وحبّ التكاثر والتفاخر فهذه هي الدّنيا الباطنة ، وأمّا الظاهرة فهي الأعيان الَّتي ذكرناها . والعلاقة الثانية مع البدن وهو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان ليصلح لحظوظه وحظوظ غيره وهي جملة الصناعات والحرف الَّتي الخلق مشغولون بها والخلق إنّما نسوا أنفسهم ومآبهم ومنقلبهم لهاتين العلاقتين علاقة القلب بالحبّ وعلاقة البدن بالشغل ولو عرف نفسه وعرف ربّه وعرف حكمة الدّنيا وسرّها علم أنّ هذه الأعيان الَّتي سمّيناها دنيا لم تخلق إلا لعلف الدّابة الَّتي تسير بها إلى اللَّه تعالى وأعني بالدّابة البدن فإنّه لا يبقى إلا بمطعم ومشرب وملبس ومسكن ، كما لا يبقى الإبل في طريق الحجّ إلا بعلف وماء وجلال ، ومثال العبد في نسيانه نفسه ومقصده مثال الحاجّ الَّذي يقف في منازل الطريق ولا يزال يعلف الناقة ويتعهّدها وينظَّفها ويكسوها ألوان الثياب ويحمل إليها أنواع الحشيش ويبرّد لها الماء بالثلج حتّى تفوته القافلة وهو غافل عن الحجّ وعن مرور القافلة وعن بقائه في البادية فريسة للسباع هو وناقته ، والحاج البصير لا يهمّه من أمر الجمل إلا القدر الَّذي يقوى به على المشي فيتعهّده وقلبه إلى الكعبة والحجّ وإنّما يلتفت إلى الناقة بقدر الضرورة ، فكذلك البصير في سفر الآخرة لا يشتغل بتعهّد البدن إلا بالضرورة كما لا يدخل بيت الماء إلا للضرورة ولا فرق بين إدخال الطعام في البطن وبين إخراجه من البطن ، وأكثر ما شغل الناس عن اللَّه هو البطن فإنّ القوت ضروريّ ، وأمر الملبس والمسكن أهون ولو عرفوا سبب الحاجة إلى هذه الأمور
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 28
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٨
هامش
( 1 ) آل عمران : 14 .