في الموتى كأنّه قد كان ثمّ صلَّى على النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ثمّ دعا لي بدعوات خفيّات ثمّ قال : هذه وصيّتي إليك يا هرم بن حيّان كتاب اللَّه ونهج الصالحين المؤمنين فقد نعيت إليّ نفسي ونفسك عليك بذكر الموت لا يفارق قلبك طرفة عين ما بقيت وأنذر قومك إذا رجعت إليهم وأنصح للأمّة جميعا وإيّاك أن تفارق الجماعة قيد شبر فيفارقك دينك وأنت لا تعلم فتدخل النّار يوم القيمة ادع لي ولنفسك ثمّ قال : اللَّهمّ إنّ هذا يزعم أنّه يحبّني فيك وزارني من أجلك فعرّفني وجهه في الجنّة ، وأدخله عليّ في دارك دار السلام ، واحفظه ما دام في الدّنيا حيّا حيثما كان وضمّ عليه ضيعته وأرضه من الدّنيا باليسير وما أعطيته من الدّنيا فيسّره له تيسيرا واجعله لما أعطيته من نعمائك من الشاكرين واجزه عنّي خير الجزاء ، ثمّ قال : أستودعك اللَّه يا هرم بن حيّان والسلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته ، لا أراك بعد اليوم رحمك اللَّه لا تطلبني فإنّي اكره الشهرة والوحدة أحبّ إليّ ، إنّي كثير الهمّ شديد الغمّ مع هؤلاء الناس ما دمت حيّا فلا تسأل عنّي ولا تطلبني واعلم أنّك منّي على بال وإن لم أرك ولم ترني فاذكرني وادع لي فإنّي سأذكرك وأدعو لك إن شاء اللَّه انطلق أنت ههنا حتّى أنطلق أنا ههنا ، فحرصت أن أمشي معه ساعة فأبى عليّ وفارقته فبكى وأبكاني وجعلت أنظر في قفاه حتّى دخل بعض السكك ، ثمّ سألت عنه بعد ذلك فما وجدت أحدا يخبرني عنه بشيء رحمه اللَّه وغفر له ( 1 ) . فهكذا كانت سيرة أبناء الآخرة المعرضين عن الدّنيا وقد عرفت ممّا سبق في بيان ذمّ الدّنيا ومن سيرة الأنبياء والأولياء أنّ حدّ الدّنيا كلّ ما أظلَّته الخضراء وأقلَّته الغبراء إلا ما كان للَّه عزّ وجلّ من ذلك ، وضدّ الدّنيا الآخرة وهو كلّ ما أريد به اللَّه عزّ وجلّ ممّا يؤخذ بقدر الضرورة من الدّنيا لأجل قوّة طاعة اللَّه عزّ وجلّ فذلك ليس من الدّنيا ، ويتبيّن هذا بمثال : وهو أنّ الحاجّ إذا حلف أنّه في طريق الحجّ لا يشتغل بغير الحجّ بل يتجرّد له ثمّ اشتغل بحفظ الزاد وعلف الجمل وخرز الرّاوية وكلّ ما لابدّ للحجّ منه لم يحنث في يمينه ولم يكن مشغولا بغير الحجّ ،
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 26
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٦
هامش
( 1 ) هذا الكلام بطوله قصة خرافية نسجها بعض الصوفية .