كان السجود عندهم هو منتهى المذلَّة والضعة أمروا به لتنكسر بذلك خيلاؤهم ، ويزول به كبرهم ، ويستقرّ التواضع في قلوبهم ، وأمر به سائر الخلق فإنّ الرّكوع والسجود والمثول قائما هو العمل الَّذي يقتضيه التواضع ، فكذلك من عرف نفسه فلينظر كلّ ما يتقاضاه الكبر من الأفعال فليواظب على نقيضها حتّى يصير التواضع له خلقا فإنّ القلوب لا تتخلَّق بالأخلاق المحمودة إلا بالعلم والعمل جميعا وذلك لخفاء العلاقة بين القلب والجوارح وسرّ الارتباط الَّذي بين عالم الملك وعالم الملكوت ، والقلب من عالم الملكوت . المقام الثّاني فيما يعرض من التكبّر بالأسباب السبعة المذكورة ، وقد ذكرنا في كتاب ذمّ الجاه أنّ الكمال الحقيقيّ هو العلم والعمل فأمّا ما عداه ممّا يفنى بالموت فكمال وهميّ فمن هذا يعسر على العالم أن لا يتكبّر ولكنّا نذكر طريق العلاج من العلم والعمل في جميع الأسباب السبعة . السبب الأوّل : النسب فمن يعتريه الكبر من جهة النسب فليداو قلبه بمعرفة أمرين : أحدهما أنّ هذا جهل من حيث إنّه تعزّز بكمال غيره ولذلك قيل : لئن فخرت بآباء ذوي شرف * لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا فالمتكبّر بالنسب إن كان خسيسا في صفات ذاته فمن أين يجبر خسّته بكمال غيره ، بل لو كان الَّذي ينتسب إليه حيّا لكان له أن يقول : الفضل لي ومن أنت إنّما أنت دودة خلقت من بولي ، أفترى أنّ الدّودة الَّتي خلقت من بول إنسان أشرف من الدّودة الَّتي من بول فرس ؟ هيهات بل هما متساويان والشرف للإنسان لا للدّودة . الثاني هو أن يعرف نسبه الحقيقيّ فيعرف أباه وجدّه ، فإنّ أباه القريب نطفة قذرة وجدّه البعيد تراب ذليل وقد عرّفه الله تعالى نسبه فقال : « الَّذي أحسن كلّ شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين . ثمّ جعل نسله من سلالة من ماء مهين » ( 1 ) فمن أصله من التّراب المهين الَّذي يداس بالأقدام ثمّ خمّر طينه حتّى
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 257
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٥٧
هامش
( 1 ) السجدة : 7 و 8 والمهين الضعيف و « نسله » أي ذريته بالنسل لأنها تنسل منه أي تنفصل .