صورته ، ولو وجدوا ريحه لماتوا من نتنه ولو وقعت قطرة من شرابه الَّذي يسقى منه في بحار الدّنيا لصارت أنتن من الجيف فمن هذا حاله في العاقبة - إلا أن يعفو عنه وهو على شكّ من العفو - فكيف يفرح ويبطر ؟ وكيف يتكبّر ويتجبّر ؟ وكيف يرى نفسه شيئا حتّى يعتقد لها فضلا ؟ وأيّ عبد لم يذنب ذنبا استحقّ به العقوبة إلا أن يعفو الكريم بفضله ، أرأيت من جنى على بعض الملوك فاستحقّ به ألف سوط فحبس في السجن وهو منتظر أن يخرج إلى العرض وتقام عليه العقوبة على ملاء من الخلق وليس يدري أيعفى عنه أم لا كيف يكون ذلَّه في السجن أفترى أنّه يتكبّر على من معه في السّجن ؟ وما من عبد مذنب إلا والدّنيا سجنه وقد استحقّ العقوبة من الله تعالى ولا يدري كيف يكون أمره فيكفيه ذلك حزنا وخوفا وإشفاقا ومهانة وذلا فهذا هو العلاج العلميّ القامع لأصل الكبر . وأمّا العلاج العمليّ فهو التواضع لله تعالى بالفعل ولسائر الخلق بالمواظبة على أخلاق المتواضعين كما وصفناه وحكيناه من أحوال الصالحين ومن أحوال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم حتّى أنّه كان يأكل على الأرض ويقول : « إنّما أنا عبد آكل كما يأكل العبد » ( 1 ) . وقيل لسلمان : لم لا تلبس ثوبا جديدا فقال : إنّما أنا عبد فإذا أعتقت يوما لبست . أشار به إلى العتق في الآخرة . ولا يتمّ التواضع بعد المعرفة إلا بالعمل ولذلك أمر العرب الَّذين تكبّروا على الله ورسوله بالإيمان وبالصّلاة جميعا . وقيل : الصّلاة عماد الدّين وفي الصّلاة أسرار لأجلها كانت عمادا ومن جملة ما فيها التواضع بالمثول قائما وبالرّكوع والسجود ، وقد كانت العرب قديما يأنفون من الانحناء فكان ربّما يسقط من يد أحد سوطه فلا ينحني لأخذه ، وينقطع شراك نعله فلا ينكس رأسه لإصلاحه ، حتّى قال حكيم بن حزام : بايعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم على أن لا أخرّ إلا قائما فبايعه النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم على ذلك ثمّ فقه وكمل إيمانه بعد ذلك » [ 1 ] فلمّا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 256
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٥٦
هامش
( 1 ) تقدم في باب سيرته في المأكل والمشرب وكتاب آداب المعيشة .
[ 1 ] أخرجه أحمد مقتصرا يعنى إلى قوله : « أن لا أخر إلا قائما « وفيه إرسال خفى » ( المغني ) .