تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
مذرة ثمّ تبلى أعضاؤه وصورته وتتفتّت أجزاؤه وتنخر عظامه ، فيصير رميما ورفاتا ، ويأكل الدّود أجزاءه فيبتدي بحدقتيه فيقلعهما ، وبخدّيه فيقطعهما ، وبسائر أجزائه فيصير روثا في أجواف الديدان ، ويكون جيفة يهرب منه الحيوان ويستقذره كلّ إنسان ، ويهرب منه لشدّة الإنتان ، وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان فيصير ترابا يعمل منه الكيزان ويعمر منه البنيان ، فيصير مفقودا بعد ما كان موجودا ، وصار كأن لم يغن بالأمس حصيدا كما كان أوّل أمره أمدا مديدا . وليته بقي كذلك فما أحسنه لو ترك ترابا لا بل يحييه بعد طول البلى ليقاسي شدائد البلاء ، فيخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرّقة ، ويخرج إلى أهوال القيامة فينظر إلى قيامة قائمة ، وسماء ممزّقة مشقّقة ، وأرض مبدّلة ، وجبال مسيّرة ، ونجوم منكدرة ، وشمس منكسفة ، وأحوال مظلمة ، وملائكة غلاظ شداد ، وجحيم تزفر ، وجنّة ينظر إليها المجرم فيتحسّر ، ويرى صحائف منشورة فيقال له : اقرأ كتابك ، فيقول : وما هو ؟ فيقال : كان قد وكلّ بك في حياتك الَّتي كنت تفرح بها وتتكبّر بنعيمها وتفتخر بأسبابها ملكان رقيبان يكتبان عليك ما كنت تنطق به أو تعمله من قليل وكثير ونقير وقطمير وأكل وشرب وقيام وقعود وقد نسيت ذلك وأحصاه الله عليك ، فهلمّ إلى الحساب واستعدّ للجواب أو تساق إلى دار العذاب فيتقطَّع قلبه فزعا من هول هذا الخطاب من قبل أن تنشر الصحف ويشاهد ما فيها من مخازيه فإذا شاهدها قال : « يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها » فهذا آخر أمره وهو معنى قوله عزّ وجلّ : « ثمّ إذا شاء أنشره » فما لمن هذه حاله والتكبّر والتعظَّم ؟ بل ماله وللفرح في لحظة واحدة فضلا عن البطر والتجبّر ، فقد ظهر له أوّل حاله ووسطه ولو ظهر آخره - والعياذ بالله - ربّما اختار أن يكون كلبا أو خنزيرا ليصير مع البهائم ترابا ولا يكون إنسانا يسمع خطابا أو يلقى عذابا ، وإن كان عند الله مستحقّا للنار فالخنزير أشرف منه وأطيب وأرفع إذ أوّله التراب وآخره التراب وهو بمعزل عن الحساب والعذاب ، والكلب والخنزير لا يهرب منه الخلق ولو رأى أهل الدّنيا العبد المذنب في النّار لصعقوا من وحشة خلقته وقبح
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 255 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري