تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣

ولا يتحرّك ولا ينطق ولا يبطش ولا يدرك ولا يعلم ، فبدأ بموته قبل حياته ، وبضعفه قبل قوّته ، وبجهله قبل علمه ، وبعماه قبل بصره ، وبصممه قبل سمعه ، وببكمه قبل نطقه ، وبضلالته قبل هداه ، وبفقره قبل غناه ، وبعجزه قبل قدرته فهذا معنى قوله تعالى : « من أيّ شيء خلقه . من نطفة خلقه فقدّره » ومعنى قوله تعالى : « هل أتى على الإنسان حين من الدّهر لم يكن شيئا مذكورا . إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه » ( 1 ) كذلك خلقه أوّلا ، ثمّ امتنّ عليه فقال : « ثمّ السبيل يسّره » وهذه إشارة إلى ما تيسّر له في مدّة حياته إلى الموت ولذلك قال : « من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا . إنّا هديناه السبيل » ومعناه إنّه أحياه بعد أن كان جمادا ميتا ترابا أوّلا ونطفة ثانيا وأسمعه بعد ما كان أصمّ وبصّره بعد ما كان فاقد البصر ، وقوّاه بعد الضعف ، وعلَّمه بعد الجهل ، وخلق له الأعضاء بما فيها من العجائب والآيات بعد الفقد لها ، وأغناه بعد الفقر ، وأشبعه بعد الجوع ، وكساه بعد العرى ، وهداه بعد الضلال ، فانظر كيف دبّره وصوّره وإلى السبيل كيف يسّره ، وإلى طغيان الإنسان ما أكفره ، وإلى جهل الإنسان كيف أظهره ، فقال تعالى : « أو لم ير الإنسان أنّا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين » ( 2 ) « ومن آياته أن خلقكم من تراب ثمّ إذا أنتم بشر تنتشرون » ( 3 ) فانظر إلى نعمة الله عليه كيف نقله من تلك القلَّة والذّلَّة والخسّة والقذارة إلى هذه الرّفعة والكرامة ، فصار موجودا بعد العدم ، وحيّا بعد الموت ، وناطقا بعد البكم ، وبصيرا بعد العمى ، وقويّا بعد الضعف ، وعالما بعد الجهل ، ومهديّا بعد الضلالة ، وقادرا بعد العجز ، وغنيّا بعد الفقر ، فكان في ذاته لا شيء وأيّ شيء أخسّ من لا شيء وأيّ قلَّة أقلّ من العدم المحض ، ثمّ صار بالله شيئا وإنّما خلقه من التراب الذّليل والنطفة القذرة بعد العدم المحض ليعرفه خسّة ذاته فيعرف به نفسه وإنّما أكمل النعمة عليه ليعرف بها ربّه ويعلم بها عظمته وجلاله ، وأنّه لا يليق الكبرياء إلا به ولذلك امتنّ

هامش
( 1 ) الدهر : 1 و 2 .
( 2 ) يس : 77 .
( 3 ) الروم : 20 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 253 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري