بمثل حبّ الله تعالى وطلب مرضاته . * ( بيان الطريق في معالجة الكبر واكتساب التواضع ) * اعلم أنّ الكبر من المهلكات ولا يخلو أحد من الخلق عن شيء منه وإزالته فرض عين ولا يزول بمجرد التمنّي بل بالمعالجة واستعمال الأدوية القامعة له وفي معالجته مقامان أحدهما استئصال أصله من سنخه ( 1 ) وقلع شجرته من مغرسها في القلب ، والثاني دفع العارض منه بالأسباب الخاصّة الَّتي بها يتكبّر الإنسان على غيره . المقام الأوّل في استئصال أصله وعلاجه علميّ وعلميّ ولا يتمّ الشفاء إلا بمجموعهما . أمّا العلميّ فهو أن يعرف نفسه ويعرف ربّه ويكفيه ذلك في إزالة الكبر فإنّه مهما عرف نفسه حقّ المعرفة علم أنّه أذلّ من كلّ ذليل وأقلّ من كلّ قليل بذاته ، وأنّه لا يليق به إلا التواضع والذلَّة والمهانة وإذا عرف ربّه علم أنّه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بالله ، أمّا معرفته ربّه وعظمته ومجده فالقول فيه يطول وهو منتهى علم الصدّيقين ، أمّا معرفته نفسه فكذلك أيضا يطول ولكنّا نذكر منه ما ينفع في إثارة التواضع والمذلَّة ويكفيه أن يعرف معنى آية واحدة من كتاب الله تعالى فإنّ في القرآن علم الأوّلين والآخرين لمن فتحت بصيرته وقد قال : « قتل الإنسان ما أكفره . من أيِّ شيء خلقه . من نطفة خلقه فقدَّره . ثمَّ السبيل يسّره . ثمَّ أماته فأقبره . ثمَّ إذا شاء أنشره » ( 2 ) فقد أشارت الآية إلى أوّل خلق الإنسان وإلى آخر أمره وإلى وسطه فلينظر الإنسان ذلك ليفهم معنى هذه الآية أمّا أوّل الإنسان فهو أنّه لم يكن شيئا مذكورا وقد كان ذلك في كتم العدم دهورا بل لم يكن لعدمه أوّل فأيّ شيء أخسّ وأقلّ من المحو والعدم ، وقد كان كذلك في القدم ، ثمّ خلقه الله تعالى من أرذل الأشياء ، ثمّ من أقذرها إذ خلقه من تراب ثمّ من نطفة ثمّ من علقة ثمّ من مضغة ، ثمّ جعله عظما ثمّ كسى العظام لحما ، فقد كان هذا بداية وجوده حيث صار شيئا مذكورا ، فما صار مذكورا إلا وهو على أخسّ الأوصاف والنعوت إذ لم يخلق في ابتدائه كاملا بل خلقه جمادا ميتا لا يسمع ولا يبصر ولا يحس
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 252
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٥٢
هامش
( 1 ) أي أصله ومنبته .
( 2 ) عبس 17 إلى 22 .