فما نقل من أخلاقه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يجمع جملة أخلاق المتواضعين ، فمن طلب التواضع فليقتد به ومن رأى نفسه فوق محلَّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ولم يرض لنفسه بما رضي هو به فما أشدّ جهله فلقد كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أعظم خلق الله تعالى منصبا في الدّنيا والدّين ، فلا عزّ ولا رفعة إلا في الاقتداء به ولذلك لمّا عوتب بعض الصحابة في بذاذة هيئته قال : إنّا قوم أعزّنا الله تعالى بالإسلام فلا نطلب العزّ في غيره .
وقال أبو الدّرداء : اعلم أنّ لله عبادا يقال لهم : الأبدال ، خلف من الأنبياء ، هم أوتاد الأرض فلمّا انقضت النبوّة أبدل الله تعالى مكانهم قوما من امّة محمّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لم يفضّلوا الناس بكثرة صلاة ولا صوم ولا حسن حلية ولكن بصدق الورع وحسن النيّة وسلامة الصدر لجميع المسلمين والنصح لهم ابتغاء مرضات الله بصبر من غير تجبّن ، وتواضع في غير مذلَّة ، وهم قوم اصطفاهم الله تعالى واستخلصهم لنفسه وهم أربعون صدّيقا أو ثلاثون رجلا قلوبهم على مثل يقين إبراهيم خليل الرّحمن عليه السّلام لا يموت الرّجل منهم حتّى يكون الله تعالى قد أنشأ من يخلفه . واعلم يا أخي أنّهم لا يلعنون شيئا ولا يؤذونه ولا يحقرونه ولا يتطاولون عليه ولا يحسدون أحدا ولا يحرصون على الدّنيا هم أطيب الناس خيرا ، وألينهم عريكة ، وأسخاهم نفسا ، علامتهم السخاء ، وسجيّتهم البشاشة ، وصفتهم السلامة ، ليسوا اليوم في خشية وغدا في غفلة ولكن مداومين على حالهم الظاهر ، وهم فيما بينهم وبين ربّهم لا تحرّكهم الرّياح العواصف ولا الخيل المجراة ، قلوبهم تصعد ارتياحا إلى الله واشتياقا إليه وقدما في استباق الخيرات : « أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون » فقال الرّاوي :
فقلت : يا أبا الدّرداء ما سمعت بصفة أشدّ عليّ من هذه الصفة وكيف لي أن أبلغها ؟ فقال : ما بينك وبين أن تكون في أوسعها إلا أن تكون تبغض الدّنيا ، فإنّك إذا أبغضت الدّنيا أقبلت على حبّ الآخرة وبقدر حبّك للآخرة تزهد في الدّنيا ، وقدر ذلك تبصر ما ينفكّ ، فإذا علم الله من عبد حسن الطلب أفرغ عليه السداد ، واكتنفه بالعصمة ، واعلم يا ابن أخي أنّ ذلك في كتاب الله المنزل : « إنّ الله مع الَّذين اتّقوا والَّذين هم محسنون » وقال يحيى بن كثير : فنظرنا في ذلك فما تلذّذ المتلذّذون
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 251
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٥١