من التجبّر فلا أفعله ؟ فأطرق أبو عبد اللَّه عليه السّلام ( 1 ) ثمّ قال : « إنّما الجبّار الملعون من غمص الناس وجهل الحقّ » قال عمر : فقلت : أمّا الحقّ فلا أجهله والغمص لا أدري ما هو ؟ قال : « من حقّر الناس وتجبّر عليهم فذلك الجبّار » ( 2 ) . وعنه عليه السّلام قال : « إنّ يوسف عليه السّلام لمّا قدم عليه الشيخ يعقوب عليه السّلام دخله عزّ الملك فلم ينزل إليه فهبط عليه جبرئيل فقال : يا يوسف أبسط راحتك ( 3 ) فخرج منها نور ساطع فصار في جوّ السّماء فقال يوسف : يا جبرئيل ما هذا النور الَّذي خرج من راحتي ؟ قال : نزعت النبوّة من عقبك عقوبة لما لم تنزل إلى الشيخ يعقوب فلا يكون من عقبك نبيّ » [ 1 ] . وعنه عليه السّلام قال : « ما من عبد إلا وفي رأسه حكمة ( 4 ) وملك يمسكها فإذا تكبّر قال له : اتّضع وضعك اللَّه ، فلا يزال أعظم الناس في نفسه وهو أصغر الناس في أعين النّاس ، فإذا تواضع رفعها اللَّه ثمّ قال له : انتعش نعشك اللَّه ( 5 ) فلا يزال أصغر الناس في نفسه وأرفع الناس في أعين الناس » ( 6 ) . وعنه عليه السّلام قال : « ما من أحد يتيه ( 7 ) إلا من ذلَّة يجدها في نفسه » وفي لفظ
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 217
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢١٧
هامش
( 1 ) لعل اطراقه وسكوته عليه السّلام للاشعار بأنها في محل الخطر وملتزمة للتكبر .
( 2 ) الكافي ج 2 ص 311 تحت رقم 13 .
( 3 ) الراحة باطن الكفّ .
( 4 ) الحكمة - محركة - : اللجام أو ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه وفيها العذران .
( 5 ) أي ارتفع رفعك اللَّه والأمر فيه وفي « اتضع » تكويني أو تشريعي .
( 6 ) الكافي ج 2 ص 312 تحت رقم 16 .
( 7 ) أي ما يتكبر .
[ 1 ] الكافي ج 2 ص 311 تحت رقم 15 . والنزول اما عن الدابة أو عن السرير وكلاهما مرويان وينبغي حمله على أن ما دخله لم يكن تكبرا وتحقيرا لوالده لكون الأنبياء منزهين عن أمثال ذلك ، بل راعى فيه المصلحة لحفظ عزّته عند عامّة الناس لتمكنه من سياسة الخلق وترويج الدين إذ كان نزول الملك عندهم لغيره موجبا لذله وكان رعاية الأدب للأب مع نبوّته ومقاساة الشدائد لحبّه أهم وأولى من رعاية تلك المصلحة ، فكان هذا منه عليه السّلام تركا للأولى ، فلذا عوتب عليه وخرج نور النبوة من صلبه ، لانّهم لرفعة شأنهم وعلو درجتهم يعاتبون بأدنى شيء ، فهذا كان شبيها بالتكبر ولم يكن تكبرا ، وقوله : « فصار إلى جو السماء » أي استقر هناك أو ارتفع إلى السماء . قاله العلامة المجلسي - رحمه اللَّه - في مرآة العقول .