تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
قوم وأدلوا حبلا ليرفعوه فحلف عليهم أن لا يقف معهم من قرأ عليه آية من كتاب اللَّه أو سمع منه حديثا خيفة من أن يحبط ذلك أجره . فإذن يجب على العالم أن يلزم قلبه طلب الثواب من اللَّه في اهتداء الناس به فقط ويجب على المتعلَّم أن يلزم قلبه طلب حمد اللَّه تعالى وثوابه ونيل المنزلة عنده لا عند المعلَّم وعند الخلق ، وربّما يظنّ أنّ له أن يرائي بطاعته لينال عند المعلَّم رتبة فيتعلَّم منه وهو خطأ لأنّ إرادته غير اللَّه بطاعته خسران في الحال ، والعلم ربّما يفيده وربّما لا يفيده ، فكيف يخسر في الحال عملا نقدا على توهّم علم وذلك غير جايز ، بل ينبغي أن يتعلَّم للَّه تعالى ويعبد للَّه تعالى ويخدم المعلَّم للَّه لا يكون له في قلبه منزلة إن كان يريد أن يكون تعلَّمه طاعة ، فإنّ العباد أمروا بأن لا يعبدوا إلا اللَّه ولا يريدوا بطاعتهم غيره ، وكذلك كلّ من يخدم أبويه لا ينبغي أن يخدمهما لطلب المنزلة عندهما إلا من حيث إنّ رضا اللَّه في رضا الوالدين ولا يجوز له أن يرائي بطاعته لينال بها منزلة عند الوالدين فإنّ ذلك معصية في الحال وسيكشف اللَّه تعالى عن ريائه وتسقط منزلته من قلوب الوالدين أيضا . وأمّا الزّاهد المعتزل عن الناس فينبغي له أن يلزم قلبه ذكر اللَّه والقناعة بعلمه ، ولا يخطر بقلبه معرفة الناس زهده واستعظامهم محلَّه ، فإنّ ذلك يغرس الرّياء في صدره حتّى تتيسّر عليه العبادات في خلوته به ، وإنّما سكونه لمعرفة الناس باعتزاله واستعظامهم لمحلَّه ، وهو لا يدري أنّه المخفّف للعمل عليه . وقال إبراهيم بن أدهم : تعلَّمت المعرفة من راهب يقال له : سمعان ، دخلت عليه في صومعته فقلت : يا سمعان منذ كم أنت في صومعتك هذه ؟ فقال : منذ سبعين سنة فقلت : فما طعامك ؟ فقال : يا حنيفي وما دعاك إلى هذا ؟ قلت : أحببت أن أعلم ، قال : في كلّ ليلة حمّصة ، قلت : فما الَّذي يهيج في قلبك حتّى تكفيك هذه الحمّصة ؟ قال : ترى الدّير الَّذي بحذائك ؟ قلت : نعم قال : إنّهم يأتوني في كلّ سنة يوما واحدا فيزيّنون صومعتي ويطوفون حولها ويعظَّموني ، فكلَّما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها عزّ تلك الساعة فأنا أحتمل جهد سنة لعزّ ساعة ،