تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦

يؤدّي إلى اندراس العلم فهو غلط إذ نهي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عن القضاء لم يؤدّ إلى تعطيل القضاء [ 1 ] بل الرّئاسة وحبّها يضطرّ الخلق إلى طلبها وكذلك حبّ الرّئاسة لا يترك العلوم تندرس بل لو حبس الناس وقيّدوا بالسلاسل والأغلال عن طلب العلوم الَّتي فيها القبول والرّئاسة لأفلتوا من الحبس وقطعوا السلاسل وطلبوها وقد وعد اللَّه تعالى أن يؤيّد هذا الدّين بأقوام لا خلاق لهم ، فلا تشتغل قلبك بأمر الناس فإنّ اللَّه لا يضيعهم ، وانظر لنفسك ، ثم إنّي أقول : مع هذا إذا كان في البلد جماعة يقومون بالوعظ مثلا فليس في النهي عنه إلا امتناع بعضهم وإلا فيعلم أنّ كلَّهم لا يمتنعون ولا يتركون لذّة الرّئاسة فإن لم يكن في البلد إلا واحد وكان وعظه نافعا للناس من حيث حسن كلامه وحسن سمته في الظاهر وتخييله إلى العوام أنّه إنّما يريد اللَّه بوعظه وأنّه تارك للدّنيا ومعرض عنها فلا نمنعه عنها ونقول له : اشتغل وجاهد نفسك ، فإن قال : لست آمن على نفسي فنقول : اشتغل وجاهد لأنّا نعلم أنّه لو ترك ذلك لهلك الناس كلَّهم إذ لا قائم به غيره ، ولو واظب وغرضه الجاه فهو الهالك وحده وسلامة دين الجميع أحبّ عندنا من سلامة دينه وحده فنجعله فداء للقوم ونقول : لعلّ هذا هو الَّذي قال فيه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ اللَّه يؤيّد هذا الدّين بأقوام لا خلاق لهم » ( 1 ) ثمّ الواعظ هو الَّذي يرغب في الآخرة ويزهد في الدّنيا بكلامه وبظاهر سيرته فأمّا ما أحدثه الوعّاظ في هذه الأعصار من الكلمات المزخرفة والألفاظ المسجّعة المقرونة بالأشعار ممّا ليس فيه تعظيم لأمر الدّين ولا تخويف للمسلمين بل فيه الترجية والتجزئة على المعاصي بطيّارات النكت فيجب إخلاء البلاد منهم فإنّهم نوّاب الدّجّال وخلفاء الشيطان ، وإنّما كلامنا في واعظ حسن الوعظ جميل الظاهر يبطن في نفسه حبّ القبول ولا يقصد غيره ، وفيما أوردناه في كتاب العلم من الوعيد الوارد في حقّ علماء السوء ما يبين

هامش
( 1 ) حديثه تقدم آنفا عن مصادر عدة .
[ 1 ] نهيه صلَّى اللَّه عليه وآله عن القضاء أخرجه مسلم ج 6 ص 7 من حديث أبي ذر « لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم » .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 196 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري