وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أقرب الناس منّي مجلسا يوم القيامة إمام عادل » [ 1 ] أقول : لما كانت الخلافة عندنا إنّما تكون منصوصة من اللَّه عزّ وجلّ مخصوصة بالإمام المعصوم المطهّر من الرّجز وشوائب النفس الَّتي منها تهيج الرّياء ولا يدّعيها بعده إلا المشرك الَّذي أحبط بشركه جميع أعمال برّه رأسا فلا حاجة بنا إلى الكلام فيها من حيث تطرّق الرّياء إليها فلنطوه ، وقد نقل أبو حامد عن شيخيه في هذا المقام من القول والفعل ما نقل . قال : وأمّا القضاء فهو وإن كان دون الخلافة والإمارة فهو في معناها ، فإنّ كلّ ذي ولاية أمير أي له أمر نافذ ، والإمارة محبوبة بالطبع والثواب في القضاء عظيم مع اتّباع الحقّ ، والعقاب فيه أيضا عظيم مع العدول عن الحقّ . وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « القضاة ثلاثة واحد في الجنّة واثنان في النّار » ( 1 ) وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من استقضى فقد ذبح بغير سكين » [ 2 ] فحكمه حكم الأمارة ينبغي أن يتركه الضعفاء وكلّ من للدّنيا ولذّاتها وزن في عينه ، وليتقلده الأقوياء الَّذين لا تأخذهم في اللَّه لومة لائم ، ومهما كانت السلاطين ظلمة ولم يقدر القاضي على القضاء إلا بمداهنتهم وإهمال بعض الحقوق لأجلهم ولأجل المتعلَّقين بهم ، إذ يعلم أنّه لو حكم عليهم بالحقّ لعزلوه أو لم يطيعوه ، فليس له أن يتقلَّد القضاء ، وإن تقلَّده فعليه أن يطالبهم بالحقوق ، ولا يكون خوف العزل عذرا مرخّصا له في الإهمال أصلا ، بل إذا عزل سقطت العهدة عنه ، فينبغي أن يفرح بالعزل إن كان يقضي للَّه فإن لم تسمح نفسه بذلك فهو إذن يقضي لاتّباع الهوى والشيطان فكيف يرتقب عليه ثوابا وهو مع الظلمة في الدّرك الأسفل من النار .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 193
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٩٣
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود من حديث ابن بريدة ج 2 ص 268 ، وقال : هذا أصح شيء فيه - يعنى حديث ابن بريدة « القضاة ثلاثة » . ورواه ابن ماجة تحت رقم 2315 .
[ 1 ] أخرجه الترمذي ج 6 ص 70 من حديث أبي سعيد الخدري هكذا : ان أحب الناس إلى اللَّه يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل وابغض الناس . . . الحديث » .
[ 2 ] أخرجه ابن ماجة تحت رقم 2308 وفيه « من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين » من حديث أبي هريرة وأخرجه أبو داود ج 2 ص 268 .