تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩

أن يستحي من اللَّه فلا يضيع الأمر بالمعروف ، والقويّ يؤثر الحياء من اللَّه على الحياء من الناس والضعيف قد لا يقدر عليه ، فهذه هي الأسباب الَّتي يجوز لأجلها ستر القبائح والذّنوب . السابع : أن يخاف من إظهار ذنبه سقوط وقع المعاصي من النفس وجرأتها عليها ، فإنّ النفس متى ألفت ظهور الذّنوب زاد انهماكها واسترسلت في شهواتها . الثامن : أن يخاف من ظهور ذنبه أن يستجرئ عليه غيره ويقتدي به ، وهذه العلَّة الواحدة هي الجارية في إظهار الطاعة وهي القدوة ويختصّ ذلك بالأئمّة أو بمن يقتدى به وبهذه العلَّة ينبغي أن يخفي العاصي أيضا معصيته من أهله وولده لأنّهم يتعلَّمون منه . ففي ستر الذّنوب هذه الأعذار الثمانية وليس في إظهار الطاعة عذر إلا هذا العذر الواحد ، ومهما قصد بستر المعصية أن يخيّل إلى الناس أنّه ورع كان مرائيا كما إذا قصد ذلك بإظهار الطاعة . فإن قلت : فهل يجوز للعبد أن يحبّ حمد الناس له بالصلاح وحبّهم إيّاه بسببه ، وقد قال رجل للنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : دلَّني على ما يحبّني اللَّه عليه ويحبّني الناس قال : « ازهد في الدّنيا يحبّك اللَّه وأنبذ إليهم هذا الحطام يحبّوك » ( 1 ) ، فنقول : حبّك لحبّ الناس لك قد يكون مباحا وقد يكون محمودا وقد يكون مذموما ، فالمحمود أن تحبّ ذلك لتعرف به حبّ اللَّه لك فإنّه تعالى إذا أحبّ عبدا حبّبه في قلوب عباده ، والمذموم أن تحبّ حبّهم وحمدهم على حجّك وغزوك وصلاتك وعلى طاعة بعينها ، فإنّ ذلك طلب عوض على طاعة اللَّه عاجلا سوى ثواب اللَّه ، والمباح أن تحبّ أن يحبّوك لصفات محمودة سوى الطاعات المحمودة المعيّنة فحبّك ذلك كحبّك المال لأنّ ملك القلوب وسيلة إلى الأغراض كملك الأموال فلا فرق بينهما .

هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4102 من حديث سهل بن سعد وفي اسناده خالد بن عمرو ، اتفقوا على ضعفه واتهم بالوضع . إلا أن النووي قال : رواه ابن ماجة وغيره بأسانيد حسنة .