بمراعاة القلوب وحفظ الجاه ودفع كيد الحسّاد ومنع أذى الأعداء اشتغال عن اللَّه وتعرّض لمقته في العاجل والآجل ، كلّ ذلك غموم عاجلة مكدّرة للذّة الجاه ، فلا يفي في الدّنيا أيضا مرجوها بمخوفها فضلا عمّا يفوت في الآخرة ، فبهذا ينبغي أن تعالج البصيرة الضعيفة ، وأمّا من نفدت بصيرته وقوي إيمانه لم يلتفت إلى الدّنيا ، فهذا هو العلاج من حيث العلم .
وأمّا من حيث العمل
فإسقاط الجاه عن قلوب الخلق بمباشرة أفعال يلام عليها حتّى يسقط من أعين الخلق وتفارقه لذّة القبول ويأنس بالخمول ويردّ الخلق ويقنع بالقبول من الخالق ، وهذا هو منهاج الملامتيّة إذ اقتحموا الفواحش في صورتها ليسقطوا أنفسهم من أعين الناس فيسلموا من آفة الجاه وهذا غير جائز لمن يقتدى به فإنّه يوهن الدّين في قلوب المسلمين ، وأمّا الَّذي لا يقتدى به فلا يجوز له أن يقدّم على محظور لأجل ذلك بل له أن يفعل من المباحات ما يسقط قدره عند الناس كما روي أنّ بعض الملوك قصد بعض الزّهاد فلمّا علم بقربه منه استدعى طعاما وبقلا وأخذ يأكل بشره ويعظم اللَّقم فلمّا نظر إليه الملك سقط من عينه وانصرف ، فقال الزّاهد : الحمد للَّه الَّذي صرفك عنّي ، ومنهم من شرب شرابا حلالا في قدح لونه لون الخمر حتّى يظنّ به أنّه يشرب الخمر فيسقط من الأعين ، وهذا في جوازه نظر من حيث الفقه إلا أنّ أرباب الأحوال ربّما يعالجون أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا إصلاح قلوبهم ، ثمّ يتداركون ما فرط منهم فيه من صورة التقصير كما فعل بعضهم فإنّه عرف بالزّهد وأقبل الناس عليه فدخل حمّاما ولبس ثوب غيره وخرج ووقف في الطريق حتّى عرفوه فأخذوه وضربوه واستردّوا منه الثياب وقالوا : إنّه طرّار وهجروه ، وأقوى الطرق في قطع الجاه الاعتزال عن الناس والهجرة إلى موضع الخمول ، فإنّ المعتزل في بيته في البلدة الَّتي هو بها مشهور لا يخلو عن حبّ المنزلة الَّتي ترسّخ له في القلوب بسبب عزلته فربما يظنّ أنّه ليس محبّا لذلك الجاه وهو مغرور ، وإنّما سكنت نفسه لأنّها قد ظفرت بمقصودها ولو تغيّر الناس عمّا اعتقدوا فيه وذمّوه أو نسبوه إلى أمر غير لايق به جزعت نفسه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 130
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٣٠