تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
بكمالها فإنّ الوصف الَّذي به مدح لا يخلو إمّا أن يكون جليّا ظاهرا أو يكون مشكوكا فيه ، فإنّ كان جليّا ظاهرا محسوسا كانت اللَّذّة فيه أقلّ ولكنّه لا يخلو عن لذّة كثنائه عليه أنّه طويل القامة أبيض اللَّون ، فإنّ هذا نوع كمال ولكنّ النفس تغفل عنه فتخلو عن لذّته فإذا استشعرت به لم يخل حدوث الشعور عن حدوث اللَّذّة ، وإن كان ذلك الوصف ممّا يتطرّق إليه الشكّ فاللَّذّة فيه أعظم كالثناء عليه بكمال العلم أو كمال الورع أو بالحسن المطلق ، فإنّ الإنسان ربّما يكون شاكَّا في كمال حسنه وفي كمال علمه وكمال ورعه ويكون مشتاقا إلى زوال هذا الشكّ بأن يصير مستيقنا لكونه عديم النظير في هذه الأمور إذ تطمئنّ نفسه إليه فإذا ذكره غيره أورث ذلك طمأنينة وسكونا وثقة باستشعار ذلك الكمال فتعظم لذّته وإنّما تعظم اللَّذّة بهذه العلَّة مهما صدر الثناء من بصير بهذه الصفات خبير بها لا يجازف في القول إلا عن تحقيق وذلك كفرح التلميذ بثناء أستاذه عليه بالكياسة والذّكاء وغزارة الفضل فإنّه في غاية اللَّذّة فإن صدر ممّن يجازف في الكلام أو لا يكون بصيرا في ذلك الوصف ضعفت اللَّذّة ، وبهذه العلَّة يبغض الذّمّ أيضا ويكرهه لأنّه يشعره بنقصان في نفسه والنقصان ضدّ الكمال المحبوب فهو ممقوت والشعور به مؤلم ولذلك يعظم الألم إذا صدر الذمّ من بصير موثوق به في ذلك كما ذكرناه في المدح . السبب الثاني أنّ المدح يدلّ على أنّ قلب المادح مملوك للمدوح وأنّه مريد له ومعتقد فيه ومسخّر تحت مشيّته ، وملك القلوب محبوب والشعور بحصوله لذيذ ، وبهذه العلَّة تعظم اللَّذّة مهما صدر الثناء ممّن تتّسع قدرته وينتفع باقتناص قلبه كالملوك والأكابر ، ويضعف مهما كان المثنيّ ممّن لا يؤبه له ولا يقدر على شيء فإنّ القدرة عليه بملك قلبه قدرة على أمر حقير فلا يدلّ المدح إلا على قدرة قاصرة ، وبهذه العلَّة أيضا يكره الذّمّ ويتألَّم به القلب ، وإذا كان من الأكابر كانت نكايته أعظم لأنّ الفائت به أعظم . السبب الثالث أنّ ثناء المثنيّ ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كلّ من يسمعه لا سيّما إذا كان ذلك ممّن يلتفت إلى قوله ويعتدّ بثنائه ، وهذا يختصّ بثناء يقع
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 127 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري