القلوب ولذلك شبّه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حبّ الشرف والمال وإفسادهما للدّين بذئبين ضاريين وقال : « إنّه ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل » ( 1 ) إذ النفاق هو مخالفة الظاهر للباطن بالقول أو الفعل وكلّ من طلب المنزلة في قلوب الناس فيضطرّ إلى النفاق معهم وإلى التظاهر بخصال حميدة هو خال عنها ، وذلك هو عين النفاق ، فحبّ الجاه إذا من المهلكات فيجب علاجه وإزالته عن القلب فإنّه طبع جبل عليه القلب كما جبل على حبّ المال ، وعلاجه مركَّب من علم وعمل ، أمّا العلم فهو أن يعلم السبب الَّذي لأجله أحبّ الجاه وهو كمال القدرة على أشخاص الناس وعلى قلوبهم ، وقد بيّنّا أنّ ذلك إن صفا وسلم فآخره الموت ، فليس من الباقيات الصالحات ، بل لو سجد لك كلّ من على وجه الأرض من المشرق إلى المغرب وإلى خمسين سنة لا يبقى الساجد ولا المسجود له ، وتكون حالك كحال من مات قبلك من ذوي الجاه مع المتواضعين له ، فهذا لا ينبغي أن يترك به الدّين الَّذي هو الحياة الأبديّة الَّتي لا انقطاع لها ، ومن فهم الكمال الحقيقيّ والكمال الوهميّ - كما سبق - صغر الجاه في عينه ، إلا أنّ ذلك إنّما يصغر في عين من ينظر إلى الآخرة كأنّه يشاهدها ويستحقر العاجلة ويكون الموت كالحاصل عنده ، وأبصار أكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة لا يمتدّ نورها إلى مشاهدة العواقب ولذلك قال تعالى : « بل تؤثرون الحياة الدّنيا والآخرة خير وأبقى » ( 2 ) وقال تعالى : « كلا بل تحبّون العاجلة . وتذرون الآخرة » ( 3 ) إلى غيرها من الآيات ، فمن هذا حدّه فينبغي أن يعالج قلبه في حبّ الجاه بالعلم بالآفات العاجلة وهو أن يتفكَّر في الأخطار الَّتي يستهدف لها أرباب الجاه في الدّنيا ، فإنّ كلّ ذي جاه محسود ومقصود بالإيذاء وخائف على الدّوام على جاهه ومحترز من أن تتغيّر منزلته في القلوب والقلوب أشدّ تغيّرا من القدر في غليانها وهي متردّدة بين الإقبال والإعراض ، فكلّ ما يبنى على قلوب الخلق يضاهي ما يبني على أمواج البحر فإنّه لإثبات له ، والاشتغال
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 129
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٢٩
هامش
( 1 ) تقدم آنفا .
( 2 ) الأعلى : 16 .
( 3 ) القيامة : 22 و 23 .