تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
فلا ينبغي أن يفرح الإنسان بعرض الدّنيا ، وإن فرح فلا ينبغي أن يفرح بمدح المادح بها بل بوجودها والمدح ليس هو سبب وجودها ، وإن كانت الصفة ممّا يستحقّ الفرح بها كالعلم والورع فينبغي أن لا يفرح بها لأنّ الخاتمة غير معلومة وهذا إنّما يقتضي الفرح لأنّه يقرّب عند اللَّه زلفى وخطر الخاتمة باق ، ففي الخوف من سوء الخاتمة شغل عن الفرح بكلّ ما في الدّنيا بل الدّنيا دار أحزان وغموم لا دار فرح وسرور ، ثمّ إن كنت تفرح بها على رجاء حسن الخاتمة فينبغي أن يكون فرحك بفضل اللَّه عليك بالعلم والتقوى لا بمدح المادح فإنّ اللَّذة في استشعار الكمال والكمال موجود من فضل اللَّه لا من المدح والمدح تابع له ، فلا ينبغي أن تفرح بالمدح والمدح لا يزيدك فضلا ، وإن كانت الصفة الَّتي مدحت بها أنت خال عنها ففرحك بالمدح غاية الجهل ، ومثالك مثال من يهزؤ به إنسان ويقول له : سبحان اللَّه ما أكثر العطر الَّذي في أحشائه وما أطيب الرّوايح الَّتي تفوح منه إذا قضى حاجته ، وهو يعلم ما تشتمل عليه أمعاؤه من الأقذار والأنتان ، ثمّ يفرح بذلك ، فكذلك إذا أثنوا عليك بالصلاح والورع ففرحت به واللَّه مطَّلع على خبائث باطنك وغوائل سريرتك وأقذار صفاتك كان ذلك من غاية الجهل ، فإذا المادح إن صدق فليكن فرحك بصفاتك الَّتي هي من فضل اللَّه عليك وإن كذب فينبغي أن يغمّك ذلك ولا تفرح به . وأمّا السبب الثاني : وهو دلالة المدح على تسخّر قلب المادح وكونه سببا لتسخير قلب آخر فهذا يرجع إلى حبّ الجاه والمنزلة في القلوب وقد سبق وجه معالجته وذلك بقطع الطمع عن الناس وطلب المنزلة عند اللَّه ، وبأن تعلم أنّ طلبك المنزلة في قلوب الناس وفرحك بها يسقط منزلتك عند اللَّه فكيف تفرح به ؟ . وأمّا السبب الثالث : وهو حشمة الَّتي اضطرّت المادح إلى المدح فهو أيضا يرجع إلى قدرة عارضة لإثبات لها ولا تستحقّ الفرح بها ، بل ينبغي أن يغمّك مدح المادح وتكرهه وتغضب به كما نقل ذلك عن السلف لأنّ آفة المدح على الممدوح عظيمة كما ذكرناه في كتاب آفة اللَّسان ، قال بعض السلف : من فرح بمدح فقد