فاطمة فقرع الباب فقال : السلام عليكم أأدخل ؟ قالت : ادخل بأبي أنت وأمّي ( 1 ) يا رسول اللَّه ، قال : أنا ومن معي ؟ قالت : ومن معك يا رسول اللَّه قال قالت : والَّذي بعثك بالحقّ نبيّا ما عليّ إلا عباءة قال : اصنعي بها هكذا وهكذا - وأشار بيده - فقالت : هذا جسدي قد واريته فكيف برأسي فألقى إليها ملاءة كانت عليه خلقة فقال : شدّي بها على رأسك ثمّ أذنت له فدخل فقال : السلام عليك يا بنتاه كيف أصبحت ؟ فقالت أصبحت واللَّه وجعة وزادني وجعا على ما بي أنّي لست أقدر على طعام آكله فقد أجهدني الجوع ، فبكى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقال : لا تجزعي يا بنتاه فواللَّه ما ذقت طعاما منذ ثلاث وإنّي لأكرم على اللَّه منك ولو سألت ربّي لأطعمني ولكنّي آثرت الآخرة على الدّنيا ثمّ ضرب بيده على منكبها وقال لها : أبشري فواللَّه إنّك لسيّدة نساء أهل الجنّة ، فقالت : فأين آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران ؟ فقال : آسية سيّدة نساء عالمها ، ومريم سيّدة نساء عالمها ، وخديجة سيّدة نساء عالمها ، وأنت سيّدة نساء عالمك إنكنّ في بيوت من قصب لا أذى فيها ولا صخب ، ثمّ قال لها : اقنعي بابن عمّك فواللَّه لقد زوّجتك سيّدا في الدّنيا وسيّدا في الآخرة » ( 2 ) . فانظر الآن إلى حال فاطمة وهي بضعة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كيف آثرت الفقر وتركت المال ، ومن راقب أحوال الأنبياء عليهم السّلام وأقوالهم وما ورد من أخبارهم وآثارهم لم يشكّ في أنّ فقد المال أفضل من وجوده وإن صرف إلى الخيرات إذ أقلّ ما فيه مع أداء الحقوق والتوقّي من الشبهات والصرف إلى الخيرات اشتغال الهمّ بإصلاحه وانصرافه عن ذكر اللَّه إذ لا ذكر إلا مع الفراغ ولا فراغ مع اشتغال البال . وقد روي عن جرير عن ليث قال : صحب رجل عيسى ابن مريم عليه السّلام فقال : أكون معك وأصحبك فانطلقا حتّى أتيا إلى شاطيء نهر فجلسا يتغدّيان ومعهما ثلاثة أرغفة فأكلا رغيفين وبقي رغيف فقام عيسى عليه السّلام إلى النهر فشرب ثمّ رجع
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 103
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٠٣
هامش
( 1 ) كذا .
( 2 ) أخرجه أحمد ج 5 ص 26 من حديث معقل بن يسار باختصار . . وقال العراقي : لم أجده من حديث عمران .