تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥

وقال تعالى : « ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنّه آثم قلبه » ( 1 ) وقال سبحانه : « لا يؤاخذكم اللَّه باللَّغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم » ( 2 ) . فالحقّ في هذه المسألة عندنا أنّه لا يوقف عليه ما لم يقع الإحاطة بتفصيل أعمال القلوب من مبدء ظهورها إلى أن يظهر العمل على الجوارح . فنقول أوّل ما يرد على القلب الخاطر كما لو خطر له مثلا صورة امرأة وأنّها وراء ظهره في الطريق لو التفت إليها لرآها ، والثاني هيجان الرّغبة إلى النظر وهو حركة الشهوة الَّتي في الطبع ، وهذا يتولَّد من الخاطر الأوّل ونسمّيه ميل الطبع ، والأوّل يسمّى حديث النفس ، الثالث حكم القلب بأنّ هذا ينبغي أن يفعل أي ينبغي أن ينظر إليها فإنّ الطبع إذا مال لم تنبعث الهمّة والنيّة ما لم يندفع الصوارف فإنّه قد يمنعه حياء أو خوف من الالتفات ، وعدم هذه الصوارف ربما يكون بتأمّل وهو على كلّ حال حكم من جهة العقل ويسمّى هذا اعتقادا ، وهو يتبع الخاطر ، والميل الرّابع تصميم العزم على الالتفات وجزم النيّة فيه وهذا نسمّيه همّا بالفعل ونيّة وقصدا ، وهذه الهمّة قد يكون لها مبدء ضعيف ولكن إذا أصغى القلب إلى الخاطر الأوّل حتّى طالت مجاذبته للنفس تأكَّدت هذه الهمّة وصارت إرادة مجزومة ، فإذا انجزمت الإرادة فربما يندم بعد الجزم فيترك العمل وربما يغفل بعارض فلا يعمل بها ، ولا يلتفت إليه وربما يعوّقه عائق فيتعذّر عليه العمل ، فههنا أربعة أحوال للقلب قبل العمل بالجارحة الخاطر ، وهو حديث النفس ، ثمّ الميل ، ثمّ الاعتقاد ، ثمّ الهمّ ، فنقول : أمّا الخاطر فلا يؤخذ به لأنّه لا يدخل تحت الاختيار وكذلك الميل وهيجان الشهوة لأنّهما أيضا لا يدخلان تحت الاختيار وهما المرادان بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « عفي عن أمّتي ما حدّثت به نفوسها » ( 3 ) فحديث النّفس عبارة عن الخواطر الَّتي تهجس في النفس ولا يتبعها عزم على الفعل ، فأمّا العزم والهمّ فلا يسمّى حديث النفس ، بل حديث النفس كما

هامش
( 1 ) البقرة : 283 .
( 2 ) البقرة : 225 .
( 3 ) تقدم آنفا عن الطيالسي ومسلم في صحيحه .