* ( فصل ) * فإن قلت كيف يتمثّل الشيطان لبعض الناس دون بعض ؟ وإذا رأى صورته فهي صورته الحقيقيّة أو هو مثال له تمثّل به ؟ وإن كان صورته الحقيقية فكيف يرى بصور مختلفة ؟ وكيف يرى في وقت واحد في مكانين ؟ وعلى صورتين حتّى يراه شخصان بصورتين مختلفتين ؟ فاعلم أنّ الملك والشيطان لهما صورتان هي حقيقة صورتهما ولا يدرك حقيقة صورتهما بالمشاهدة إلا بأنوار النبوّة كما رأى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم جبرئيل عليه السّلام في صورته مرّتين ( 1 ) وذلك أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله سأله أن يريه نفسه على صورته فواعده ذلك بحراء ، فطلع له جبرئيل عليه السّلام فسدّ الأفق من المشرق إلى المغرب ، ورآه مرّة أخرى على صورته ليلة المعراج عند سدرة المنتهى وإنّما كان يراه في صورة الآدمي غالبا وكان يراه في صورة دحية الكلبي [ 1 ] وكان رجلا حسن الوجه والأكثر أنّه يكاشف أهل المكاشفة من أرباب القلوب بمثال صورته ، فيتمثّل الشيطان له في اليقظة فيراه بعينه ويسمع كلامه بإذنه ويقوم ذلك مقام حقيقة صورته كما ينكشف في المنام لأكثر الصّالحين ، وإنّما المكاشف في اليقظة هو الَّذي ينتهي إلى رتبة لا يمنعه اشتغال الحواسّ بالدّنيا عن المكاشفة الَّتي يكون في النّوم فيرى في اليقظة ما يراه غيره في النّوم ، كما روى أنّ رجلا سأل ربّه أن يريه موضع الشيطان من قلب ابن آدم فرأى في النّوم جسد رجل شبه البلَّور يرى داخله من خارجه ورأى الشيطان في صورة ضفدع قاعد على منكبه الأيسر بين منكبه وإذنه ، له خرطوم طويل دقيق قد أدخله من منكبه الأيسر إلى قلبه ، يوسوس إليه فإذا ذكر اللَّه خنس ، ومثل هذا يشاهد بعينه في اليقظة ، وقد رآه بعض المكاشفين في صورة كلب جاثم على جيفة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 72
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٧٢
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ج 6 ص 176 .
[ 1 ] « حديث أنه كان يرى جبرئيل عليه السّلام في صورة دحية الكلبي » أخرجه الشيخان من حديث أسامة بن زيد « أن جبرئيل أتى النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وعنده أم سلمة فجعل يحدث ثم قام فقال النبي صلَّى اللَّه عليه وآله لام سلمة : من هذا ؟ قالت : دحية » .