تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦

روي عن عثمان بن مظعون حيث قال : « يا رسول اللَّه إنّ نفسي تحدّثني أن أطلَّق خولة ، قال : مهلا إنّ من سنّتي النكاح ، قال : نفسي تحدّثني أن أجب نفسي ، قال : مهلا خصاء أمّتي دؤوب الصيام ، قال : نفسي تحدّثني أن أترهّب ، قال : مهلا رهبانيّة أمّتي الجهاد والحجّ ، قال : نفسي تحدّثني أن أترك اللَّحم ، قال : مهلا فإنّي أحبّه ولو أصبته في كلّ يوم لأكلته ، ولو سألت اللَّه لأطعمنيه » ( 1 ) . فهذه الخواطر الَّتي ليس معها عزم على الفعل هي حديث النفس ، ولذلك شاور فيها رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، إذ لم يكن معها عزم وهمّ بالفعل ، وأمّا الثالث وهو الاعتقاد وحكم القلب بأنّه ينبغي أن يفعل ، فهذا مردّد بين أن يكون اضطرارا واختيارا ، والأحوال تختلف فيه ، فالاختياريّ منه يؤاخذ به والاضطراريّ لا يؤاخذ به ، وأمّا الرابع وهو الهمّ بالفعل فإنّه يؤاخذ به إلا أنّه إن لم يفعل نظر ، فإن تركه خوفا من اللَّه تعالى وندم على همّه كتبت له حسنة لأنّ همّه سيّئة وامتناعه ومجاهدته نفسه حسنة ، والهمّ على وفق الطبع لا يدلّ على تمام الغفلة عن اللَّه والامتناع بالمجاهدة على خلاف الطبع يحتاج إلى قوّة عظيمة ، فجدّه في مخالفة الطبع وهو العمل للَّه سبحانه أشدّ من جدّه في موافقة الشيطان بموافقة الطبع فكتبت له حسنة لأنّه رجّح جهده في الامتناع وهمّه به على همّه بالفعل ، وإن تعوّق الفعل لعائق أو تركه لعذر لا خوفا من اللَّه تعالى كتبت عليه سيّئة ، فإنّ همّه فعل من القلب اختياريّ . والدليل على هذا التفصيل ما ورد في الصحيح متّصلا في لفظ الحديث قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « قالت الملائكة : ربّ ذاك عبدك يريد أن يعمل سيّئة وهو أبصر ، فقال : ارقبوه فإن عملها فاكتبوها عليه بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنّما تركها من أجلي » ( 2 ) وحيث قال : « لم يعملها » أراد به تركها للَّه ، فأمّا إذا عزم على فاحشة وتعذّرت عليه بسبب أو بغفلة فكيف يكتب له حسنة ؟ وقد قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم :

هامش
( 1 ) ما عثرت عليه في حديث واحد وانما جاء مضمونه في أحاديث عدة .
( 2 ) أخرجه مسلم ج 1 ص 82 وفيه « إنما تركها من جرائي » والمعنى واحد .