تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧

« إنّما يحشر الناس على نيّاتهم » ( 1 ) ونحن نعلم أنّ من عزم ليلا على أن يصبح ويقتل مسلما أو يزني بامرأة فمات تلك اللَّيلة مات مصرّا ويحشر على نيّته وقد همّ بسيّئة ولم يعملها . والدّليل القاطع فيه ما روي عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : « إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النّار ، قيل : يا رسول اللَّه هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : لأنّه أراد قتل صاحبه ( 2 ) » . وهذا نصّ في أنّه صار من أهل النّار بمجرّد الإرادة مع أنّه قتل مظلوما فكيف يظنّ أنّ اللَّه لا يؤاخذ بالنيّة والهمّ ، بل كلّ ما دخل تحت اختيار العبد فهو مأخوذ به إلا أن يكفره بحسنة ، ونقض العزم بالندم حسنة فلذلك كتب حسنة ، وأمّا فوات المراد بعائق فليس بحسنة ، وأمّا الخواطر وحديث النفس وهيجان الرّغبة فكلّ ذلك لا يؤاخذ به لأنّه لا يدخل تحت الاختيار ، والمؤاخذة به تكليف لما لا يطاق ، ولذلك لما نزل قوله تعالى : « وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللَّه » ( 3 ) جاء ناس من الصحابة إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وقالوا : كلَّفنا ما لا نطيق ، إنّ أحدنا ليتحدّث نفسه بما لا يحبّ أن يثبت في قلبه ، ثمّ يحاسب بذلك ؟ فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : لعلَّكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل : سمعنا وعصينا ، قولوا : سمعنا وأطعنا ، فأنزل اللَّه تعالى الفرج بقوله عزّ وجلّ : « لا يكلَّف اللَّه نفسا إلا وسعها » ( 4 ) . أقول : ومن طريق الخاصّة ما رواه في الاحتجاج ( 5 ) عن أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث طويل « أنّ هذه الآية عرضت على الأنبياء والأمم السابقة فأبوا أن يقبلوها من ثقلها وقبلها رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وعرضها على أمّته فقبلوها ، فلمّا رأى اللَّه عزّ وجلّ منهم القبول علم أنّهم لا يطيقونها . . . قال : أما إذا قبلت الآية بتشديدها وعظم ما فيها وقد عرضتها على الأمم فأبوا أن يقبلوها وقبلها أمّتك ، فحقّ عليّ أن أرفعها عن

هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4239 من حديث جابر .
( 2 ) متفق عليه . وأخرجه ابن ماجة تحت رقم 3964 .
( 3 ) البقرة : 284 .
( 4 ) الآية في البقرة : 286 . والخبر أخرجه مسلم ج 1 ص 80 .
( 5 ) ص 117 .