تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩

ومن ساعد الشيطان بعلمه فقد تولاه وإن ذكر اللَّه بلسانه ، وإن كنت تقول : الحديث قد ورد مطلقا بانّ الذكر يطرد الشيطان . ولم تفهم أن أكثر عمومات الشرع مخصوصة بشروط يعرفها علماء الدّين ، فانظر إلى نفسك فليس الخبر كالمعاينة وتأمّل أنّ منتهى ذكرك وعبادتك صلاتك ، فراقب قلبك إذا كنت في صلاتك كيف يتجاذبه الشيطان إلى الأسواق وحساب المعاملين وجواب المعاندين ، وكيف يمرّ بك في أودية الدّنيا ومهالكها حتّى أنّك لا تتذكَّر ما نسيته من فضول الدّنيا إلا في صلاتك ولا تزدحم الشياطين على قلبك إلا إذا صلَّيت والصلاة محك القلوب فيها تظهر مساويها ومحاسنها فالصّلاة لا تقبل من القلوب المشحونة بشهوات الدّنيا فلا جرم لا يطرد عنك الشيطان ، بل ربما يزيد عليك الوسواس كما أنّ الدّواء قبل الاحتماء ربما يزيد عليك الضرر ، فإن شئت الخلاص من الشيطان فقدّم الاحتماء بالتقوى ثمّ أردفه بدواء الذكر ، وقد فرّ الشيطان منك ، ولذلك قال وهب بن منبّه : اتّق اللَّه ولا تسبّ الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السّر ، أي أنت مطيع له ، وقال بعضهم : يا عجبا لمن يعصي اللَّه بعد معرفته بإحسانه ويطيع اللَّعين بعد معرفته بطغيانه ، وكما أنّ اللَّه تعالى قال : « ادعوني أستجب لكم ( 1 ) » وأنت تدعوه فلا يستجيب لك فكذلك تذكر اللَّه ولا يهرب الشيطان منك لفقد شروط الذكر والدّعاء . قيل لإبراهيم بن أدهم : ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا وقد قال اللَّه تعالى : « ادعوني أستجب لكم » ؟ قال : لأنّ قلوبكم ميتة قيل : وما الَّذي أماتها ؟ قال : ثمان خصال : عرفتم حقّ اللَّه فلم تقوموا بحقّه . وقرأتم القرآن فلم تعملوا بحدوده ، وقلتم : نحبّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وتركتم سنّته ، وقلتم : نخشى الموت ولم تستعدّوا له ، وقال اللَّه عزّ وجلّ : « إنّ الشيطان لكم عدوّ فاتّخذوه عدوّا » ( 2 ) فواطأتموه ( 3 ) على المعاصي ، وقلتم : نخاف النّار وأرهقتم أبدانكم فيها ، وقلتم : نحبّ الجنّة ولم تعملوا لها ، وإذا قمتم من فرشكم رميتم بعيوبكم وراء ظهوركم وقدّمتم عيوب النّاس أمامكم فأسخطتم ربّكم فكيف يستجيب لكم ؟ .

هامش
( 1 ) المؤمن : 60 .
( 2 ) فاطر : 6 .
( 3 ) أي وافقتموه .