وتطهير القلب من هذه الصفات المذمومة ، وذلك يطول ذكره وغرضنا في هذا الرّبع من الكتاب بيان علاج الصفات المهلكات ، ويحتاج كلّ صفة إلى كتاب مفرد على ما سيأتي شرحه إن شاء اللَّه ، نعم إذا قلعت من القلب أصول هذه الصفات كان للشيطان بالقلب اجتيازات وخطرات ولم يكن له استقرار ويمنعه من الاجتياز ذكر اللَّه تعالى لأنّ حقيقة الذكر لا تتمكَّن من القلب إلا بعد عمارة القلب بالتقوى وتطهيره من الصفات المذمومة ، وإلا فيكون الذكر حديث النفس لا سلطان له على القلب فلا يدفع سلطان الشيطان ، ولذلك قال اللَّه تعالى : « إنّ الَّذين اتّقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكَّروا » خصّص ذلك بالمتّقين ومثل الشيطان مثل كلب جائع يقرب منك فإن لم يكن بين يديك لحم وخبز فإنّه يزجر عنك بأن تقول له : اخسأ فمجرّد الصوت يدفعه ، وإن كان بين يديك شيء من ذلك وهو جائع فإنّه يهجم ولم يندفع بمجرّد الكلام ، فالقلب الخالي عن قوت الشيطان ينزجر عنه بمجرّد الذكر ، فأمّا الشهوة إذا غلبت على القلب دفعت حقيقة الذّكر إلى حواشي القلب ، ولم يتمكَّن من سويدائه فيستقرّ الشيطان في سويداء القلب ، وأمّا قلوب المتّقين الخالية من الهوى والصفات المذمومة فإنّه يطرقها الشيطان لا للشهوات بل لخلوّها بالغفلة عن الذكر ، فإذا عاد إلى الذكر خنس الشيطان ودليل ذلك قوله تعالى : « فاستعذ بالله ( 1 ) » وسائر الأخبار والآيات الواردة في الذكر ، فمهما طمعت في أن يندفع الشيطان عنك بمجرّد الذكر كما يندفع عنهم كان محالا وكنت كمن يطمع أن يشرب دواء قبل الاحتماء والمعدة مشحونة بغليظ الأطعمة ويطمع أن ينفع كما نفع الَّذي شربه بعد الاحتماء وتخلية المعدة ، والذكر دواء والتّقوى احتماء يخلي القلب من الشهوات ، فإذا نزل الذكر قلبا فارغا من غير الذكر اندفع الشيطان عنه كما تندفع العلَّة بنزول الدّواء في معدة خالية عن الأطعمة ، قال اللَّه تعالى : « إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب » ( 2 ) وقال تعالى : « كتب عليه أنّه من تولاه فإنّه يضلَّه ويهديه إلى عذاب السعير » ( 3 ) .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 68
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٦٨
هامش
( 1 ) الأعراف : 199 .
( 2 ) ق : 37 .
( 3 ) الحج : 4 .