من التعرّض للتّهم فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « اتّقوا مواضع التّهم » [ 1 ] حتّى أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان معتكفا فأتيته فتحدّثت عنده فلمّا أمسيت انصرفت فقام يمشي معي فمرّ به رجلان من الأنصار فسلَّما ثمّ مضيا فدعاهما فقال : إنّها صفيّة بنت حييّ ، قالا يا رسول اللَّه أفنظنّ بك إلا خيرا ؟ قال : إنّ الشّيطان ليجري من بني آدم مجرى الدّم وإنّي خشيت أن يدخل عليكما » ( 1 ) فانظر كيف أشفق على دينهما فحرسهما وكيف أشفق على أمّته فعلَّمهم طريق الاحتراز من التّهمة حتّى لا يتساهل العالم الورع المعروف بالدّين في أحواله فيقول : مثلي لا يظنّ به إلا الخير إعجابا منه بنفسه فإنّ أورع الناس وأتقاهم وأعلمهم لا ينظر النّاس كلَّهم إليه بعين واحدة بل بعين الرّضا بعضهم وبعين السخط بعضهم . وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة * ولكنّ عين السّخط تبدي المساويا فيجب الاحتراز عن السّوء وعن تهمة الأشرار فإنّ الأشرار لا يظنّون بالناس كلَّهم إلا الشرّ فمهما رأيت إنسانا يسيئ الظنّ بالناس طالبا للعيوب فاعلم أنّه خبيث في الباطن وأنّ ذلك خبثه يترشّح منه ، وإنّما يرى غيره من حيث هو ، فإنّ المؤمن يطلب المعاذير ، والمنافق يطلب العيوب ، والمؤمن سليم القلب في حقّ كافّة الخلق فهذه بعض مداخل الشيطان إلى القلب ولو أردت استقصاء جميعها لم أقدر عليه وفي هذا القدر ما ينبّه على غيره ، فليس في الآدمي صفة مذمومة إلا وهي سلاح للشيطان ومدخل من مداخله . * ( فصل ) * فإن قلت : فما العلاج في دفع الشيطان وهل يكفي ذكر اللَّه تعالى وقول الإنسان « لا حول ولا قوّة إلا باللَّه العليّ العظيم » ؟ فاعلم أنّ علاج ذلك سدّ هذه المداخل
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 67
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٦٧
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ومسلم ج 7 ص 8 وقد تقدم .
[ 1 ] ذكره المولى على القاري في الموضوعات الكبير ص 24 ، وقال : هو في معنى قول عمر « من سلك مسالك التهم اتهم » رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق عن عمر موقوفا بلفظ « من أقام نفسه مقام التهم فلا يلومن من أساء به الظن » .