ابن مسعود : قعد قوم يذكرون اللَّه ، فأتاهم الشيطان ليقيمهم من مجلسهم فيفرّق بينهم فلم يستطع ، فأتى رفقة أخرى يتحدّثون بحديث الدّنيا فأفسد بينهم فقاموا يقتلون وليس إيّاهم يريد فقام الَّذين يذكرون اللَّه تعالى واشتغلوا بهم يفصلون بينهم فتفرّقوا عن مجلسهم وذلك مراد الشيطان منهم . ومن أبوابه العظيمة حمل العوام والَّذين لم يمارسوا العلم ولم يتبحّروا فيه على التفكَّر في ذات اللَّه وصفاته وفي أمور لا يبلغها حدّ عقولهم حتّى يشكَّكهم بذلك في أصل الدّين أو يخيّل إليهم في اللَّه خيالا يتعالى اللَّه عنه فيصير به كافرا أو مبتدعا وهو به فرح مسرور متبجّح بما وقع في صدره يظنّ أنّ ذلك هو المعرفة والبصيرة وأنّه انكشف له ذلك بذكائه وزيادة عقله ، وأشدّ الناس حماقة أقويهم اعتقادا في عقل نفسه ، وأثبت النّاس عقلا أشدّهم اتّهاما لنفسه وظنّه ، وأحرصهم على السؤال من العلماء ، روي أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : « إنّ الشيطان يأتي أحدكم فيقول : من خلقك ؟ فيقول : اللَّه تبارك وتعالى ، فيقول : فمن خلق اللَّه تعالى ؟ فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل آمنت باللَّه تعالى وبرسله ، فإنّ ذلك يذهب عنه » ( 1 ) فالنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لم يأمر في علاج هذا الوسواس بالبحث فإنّ هذا وسواس يجده عوام النّاس دون العلماء ، وإنّما حقّ العوام أن يؤمنوا ويسلموا ويشتغلوا بعباداتهم وبمعايشهم ويتركوا العلم إلى العلماء فالعاميّ لو زنى أو سرق كان خيرا له من أن يتكلَّم في العلم فإنّه من تكلَّم من غير إتقان العلم في اللَّه وفي دينه وقع في الكفر من حيث لا يدري ، كمن يركب لجّة البحر وهو لا يعرف السباحة . ومكائد الشيطان فيما يتعلَّق بالعقائد والمذاهب لا حصر لها ، وإنّما قصدنا بما أوردناه المثال . ومن أبوابه سوء الظنّ بالمسلمين ولذلك قال اللَّه تعالى : « اجتنبوا كثيرا من الظنّ إنّ بعض الظنّ إثم » ومن حكم بشرّ على غيره بالظنّ بعثه الشّيطان على أن يطول فيه اللَّسان بالغيبة فيهلك أو يقصر في القيام بحقوقه أو يتوانى في إكرامه أو ينظر إليه بعين الاحتقار ويرى نفسه خيرا منه وكلّ ذلك من المهلكات ولأجل ذلك منع الشّرع
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 66
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٦٦
هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان بسند حسن كما في الجامع الصغير .