تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨

أبوابه ، وحماية القلب عن فساد الشيطان واجبة وهي فرض عين على كلّ عبد مكلَّف وما لا يتوصّل إلى الواجب إلا به فهو أيضا واجب ولا يتوصّل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله ، فصارت معرفة مداخل الشيطان واجبة ، ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد وهي كثيرة ولكنّا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدّروب الَّتي لا تضيق ، عن كثرة جنود الشيطان . فمن أبوابه العظيمة الحرص والحسد ، فمهما كان العبد حريصا على شيء أعماه حرصه وأصمّه إذ قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « حبّك الشيء يعمي ويصمّ » ( 1 ) ونور البصيرة هو الَّذي يعرف مداخل الشيطان ، فإذا غطَّاه الحرص أو الحسد لم يبصر فوجد الشيطان فرصة فيحسن عند الحريص كلّ ما توصله إلى شهوته وإن كان منكرا وفاحشا ، فقد روي أن نوحا عليه السّلام لما ركب البحر وحمل في السفينة من كلّ زوجين اثنين كما أمر فرأى في السفينة شيخا لم يعرفه فقال له نوح عليه السّلام : ما أدخلك ؟ قال : دخلت لأصيب قلوب أصحابك فتكون قلوبهم معي وأبدانهم معك ، قال نوح عليه السّلام : اخرج منها يا عدوّ اللَّه فإنّك رجيم ، قال له إبليس : خمس أهلك بهنّ النّاس وسأحدّثك منهنّ بثلاث ولا أحدّثك بالثنتين فأوحى اللَّه تعالى إلى نوح عليه السّلام أنّه لا حاجة بك إلى الثلاث مره فليحدّثك بالثنتين فقال : ما الثنتان ؟ فقال : هما اللَّتان لا تكذبانني ، هما اللَّتان لا تخلفانني بهما أهلك النّاس الحرص والحسد بالحسد لعنت وجعلت شيطانا رجيما وأمّا الحرص فإنّه أبيح لآدم الجنّة كلَّها فأصبت حاجتي منه بالحرص » ( 2 ) . ومن أبوابه العظيمة الغضب والشهوة ، فإنّ الغضب غول العقل فإذا ضعف جند العقل هجم جند الشيطان ، ومهما غضب الإنسان لعب به الشيطان كما يلعب الصبي بالكرة ، فقد روي أنّ إبليس لقي موسى عليه السّلام فقال : يا موسى أنت الَّذي اصطفاك

هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في السنن ج 2 ص 627 .
( 2 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان . وابن عساكر عن ابن عمر كما في الدر المنثور ج 3 ص 323 .