يحتسبون » ( 1 ) قيل هي أعمال ظنّوها حسنات فإذا هي سيّئات وأغمض أنواع علوم المعاملة الوقوف على خدع النّفس ومكائد الشيطان ، وذلك فرض عين على كلّ عبد وقد أهمله الخلق واشتغلوا بعلوم تستجرّ إليهم الوسواس وتسلَّط عليهم الشيطان وتنسيهم عداوته وطريق الاحتراز عنه ، ولا ينجى من كثرة الوسواس إلا سدّ أبواب الخواطر ، وأبوابها من خارج الحواسّ الخمس وأبوابها من داخل الشهوات وعلائق الدّنيا والخلوة في بيت مظلم تسدّ باب الحواس والتجرّد عن المال والأهل يقلَّل مداخل الوسواس من الباطن ويبقى مع ذلك مداخل باطنه من التخيّلات الجارية في القلب وذلك لا يدفع إلا بشغل القلب بذكر اللَّه سبحانه ، ثمّ إنّه لا يزال يجاذب القلب وينازعه ويلهيه عن ذكر اللَّه تعالى فلا بدّ من مجاهدته وهذه مجاهدة لا آخر لها إلا الموت إذ لا يتخلَّص أحد من الشيطان ما دام حيّا نعم قد يقوي الأسباب بحيث لا ينقاد له ويدفع عن نفسه مكره بالجهاد ولكن لا يستغني قطَّ عن الجهاد والمدافعة ما دام يجري الدّم في بدنه فإنّه ما دام حيّا فأبواب الشياطين مفتوحة إلى قلبه لا تنغلق وهي الشهوة والغضب والحسد والطمع والشّره وغيرها كما سيأتي شرحها . ومهما كان الباب مفتوحا والعدوّ غير غافل لم يدفع إلا بالحراسة والمجاهدة ، قال رجل لبعض السلف : أينام إبليس ؟ فتبسّم وقال : لو نام لوجدنا عنه راحة . فإذا لا خلاص للمؤمن عنه نعم له سبيل إلى دفعه وتضعيف قوّته كما قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر » [ 1 ] وقال ابن
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 55
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٥٥
هامش
( 1 ) الزمر : 47 .
[ 1 ] أنضى البعير : هزله . والخبر أخرجه أحمد في المسند وابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان عن أبي هريرة كما في الجامع الصغير وذكره الشريف الرضي في المجازات النبوية ص 264 ، وقال هذه استعارة والمراد أن المؤمن يصعب قياده على الشيطان فلا يصغى إلى وساوسه ولا يجعل لهواجسه ، اعتصاما منه بدينه واستيلاما عليه في جنة يقينه ، فشيطانه أبدا مكدود معه لطول منازعته القياد ومفالتته الزمام ، فشبهه عليه السّلام لا تعابه الشيطان في الإحتجار عن اضلاله والامتناع من اتباعه بالمنضي بعيره في السفر إذا طال سفره واستفرغ قوته وحسن عريكته .