قبلها ، فكانت عنده ليعالجها فأتاه الشيطان فوسوس إليه وزيّن له مقاربتها فلم يزل به حتّى واقعها فحبلت منه فوسوس إليه فقال : الآن تفتضح يأتيك أهلها فاقتلها فإن أتاك أهلها فقل ماتت ، فقتلها ودفنها فأتى الشيطان أهلها فوسوس إليهم وألقى في قلوبهم أنّه أحبلها ثم قتلها ودفنها ، فأتاه أهلها فسألوه عنها ، فقال : ماتت فألقى إليهم الشيطان أنّها مدفونة عنده ، ففتّشوا فوجدوها مقتولة فأخذوه فأتاه الشيطان فقال : أنا الَّذي أخذتها وأنا الَّذي ألقيت في قلوب أهلها فأطعني تنج وأخلَّصك منهم ، فقال : بما ذا ؟ قال : اسجد لي سجدتين فسجد له سجدتين فقال له الشيطان : إنّي بريء منك ، وهو الَّذي قال اللَّه تعالى فيه : « كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلمّا كفر قال إنّي بريء منك » ( 1 ) . فانظر الآن إلى حيلته واضطراره الرّاهب إلى هذه الكبائر وكلّ ذلك لطاعته له في قبول الجارية للمعالجة وهو أمر هيّن وربّما يظنّ صاحبه أنّه خير وحسنة فيحسن ذلك في قلبه بخفيّ الهوى فيقدّم عليه كالرّاغب في الخير فيخرج الأمر بعد ذلك عن اختياره ويجرّه البعض إلى البعض بحيث لا يجد محيصا ، فنعوذ باللَّه من تضييع أوائل الأمور وإليه الإشارة بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من حام حول الحمى يوشك إن يقع فيه » ( 2 ) . * ( بيان تفصيل مداخل الشيطان إلى القلب ) * اعلم أنّ القلب مثاله مثال حصن والشيطان عدوّ يريد أن يدخل الحصن ويملكه ويستولي عليه ولا يقدر على حفظ الحصن عن العدوّ إلا بحراسة أبواب الحصن ومداخله ومواضع ثلمه ولا يقدر على حراسة أبواب الحصن عن العدوّ من لا يعرف
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 57
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٥٧
هامش
( 1 ) الآية في سورة الحشر : 16 ، والخبر رواه ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس كما في الدر المنثور ج 6 ص 199 .
( 2 ) رواه البخاري بلفظ « من يرتع حول الحمى يوشك ان يوقعه » عن النعمان ابن بشير ونقله الشريف الرضي في المجازات النبوية ص 81 مع بيانه هكذا « فمن أرتع حول الحمى كان قمنا ان يرتع فيه » .