مسعود : شيطان المؤمن مهزول . وقال قيس بن الحجّاج : قال لي شيطاني : دخلت فيك وأنا مثل الجزور ، وأنا الآن مثل العصفور ، فقلت : ولم ذاك ؟ قال : تذيبني بكتاب اللَّه ، وأهل التقوى لا يتعذّر عليهم ترصّد أبواب الشيطان وحفظها بالحراسة أعني الأبواب الظاهرة والطرق الجليّة الَّتي تفضي إلى المعاصي الظاهرة ، وإنّما يتعثّرون في طرقه الغامضة فإنّهم لا يهتدون إليها ليحرسونها كما أشرنا إليه في غرور العلماء والوعّاظ ، والمشكل أنّ الأبواب المفتوحة إلى القلب للشيطان كثيرة ، وباب الملائكة باب واحد وقد التبس ذلك الباب الواحد بهذا الكثير فالعبد فيه مثاله مثال المسافر الَّذي يبقى ( 1 ) في بادية كثيرة الطرق ، غامضة المسالك ، في ليلة مظلمة ، فلا يكاد يفلح إلا بعين بصيرة وطلوع شمس مشرقة ، فالعين البصيرة ههنا هو القلب المصفّى بالتقوى والشمس المشرقة هو العلم الغزير المستفاد من كتاب اللَّه تعالى ومن سنّة رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فبهما يهتدي إلى غوامض طرقه ، وإلا فطرقه كثيرة غامضة ، قال عبد اللَّه بن مسعود : « خطَّ لنا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يوما خطَّا فقال : هذا سبيل اللَّه ثمّ خطَّ خطوطا عن يمين الخطَّ وعن شماله ، فقال : هذه سبل الشيطان على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه ، ثمّ تلا هذه الآية « وإنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ولا تتّبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله » ( 2 ) يعني تلك الخطوط ، فبيّن صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كثرة طرقه . وقد ذكرنا مثالا للطريق الغامض من طرقه وهو الَّذي يخدع به العلماء والعبّاد المالكين لشهواتهم الكافّين عن المعاصي الظاهرة فلنذكر مثالا لطريقه الواضح الَّذي لا يخفى إلا أن يضطرّ الآدمي إلى سلوكه ، وذلك كما روي عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : « كان راهب في بني إسرائيل فعمد الشيطان إلى جارية فخنقها وألقى في قلوب أهلها أنّ دواءها عند الرّاهب فأتي بها الرّاهب ، فأبى أن يقبلها فلم يزالوا به حتّى
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 56
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٥٦
هامش
( 1 ) في بعض النسخ [ يسعى ] .
( 2 ) الآية في سورة الأنعام : 153 ، والخبر رواه أحمد ، وعبد بن حميد ، والنسائي ، والبزار ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والحاكم وصححه عن ابن مسعود كما في الدر المنثور ج 3 ص 55 و 56 .