تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣

ضررها فاشتغل بالبحث عن لونها وشكلها وطولها وعرضها وذلك عين الجهل فمصادمة الخواطر الباعثة على الشرّ قد علمت ودلّ ذلك على أنّه عن سبب لا محالة ، وعلم أنّ الدّاعي إلى الشرّ المحذور في المستقبل عدوّ فقد عرف العدوّ فينبغي أن يشتغل بمجاهدته . وقد عرّف اللَّه تعالى عداوته في مواضع كثيرة من كتابه ليؤمن به ويحترز عنه فقال تعالى : « إنّ الشيطان لكم عدوّ فاتّخذوه عدوّا إنّما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ( 1 ) وقال تعالى : « ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنّه لكم عدوّ مبين » ( 2 ) فينبغي للعبد أن يشتغل بدفع العدوّ عن نفسه لا بالسّؤال عن أصله ونسبه ومسكنه ، نعم ينبغي أن يسأل عن سلاحه ليدفعه عن نفسه ، وسلاح الشيطان الهوى والشهوات وذلك كاف للعاملين ، فأمّا معرفة صفة ذاته وحقيقة الملائكة فذلك ميدان العارفين المتغلغلين في علوم المكاشفات ولا يحتاج في المعاملة إلى معرفته ، نعم ينبغي أن يعلم أنّ الخواطر تنقسم إلى ما يعلم قطعا أنّه داع إلى الشرّ فلا يخفى كونه وسوسة وإلى ما يعلم أنّه داع إلى الخير فلا يشكّ في كونه إلهاما ، وإلى ما يتردّد فيه فلا يدرى أنّه من لمّة الملك أو لمّة الشيطان فإنّ من مكائد الشيطان أن يعرض الشرّ في معرض الخير ، والتمييز في ذلك غامض وأكثر العباد به يهلكون ، فإنّ الشيطان لا يقدر على دعائهم إلى الشرّ الصريح فيصوّر الشرّ بصورة الخير كما يقول للعالم بطريق الوعظ : أما تنظر إلى الخلق وهم موتى من الجهل ، هلكى من الغفلة ، قد أشرفوا على النّار أمالك رحمة على عباد اللَّه عزّ وجلّ تنقذهم من المعاطب بنصحك ووعظك ، وقد أنعم اللَّه عليك بقلب بصير ولسان ذلق ولهجة مقبولة فكيف تكفر نعمته وتتعرّض لسخطه وتسكت عن إشاعة العلم ودعوة خلق اللَّه سبحانه إلى الصراط المستقيم فلا يزال يقرّر ذلك في نفسه ويستجرّه بلطائف الحيل إلى أن يشتغل بوعظ الناس ثمّ يدعوه بعد ذلك إلى أن يتزيّن لهم ويتصنّع بتحسين اللَّفظ وإظهار الخير ويقول له : إن لم تفعل ذلك سقط وقع كلامك عن

هامش
( 1 ) فاطر : 6 .
( 2 ) يس : 60 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 53 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري