ينبغي وإلى الحدّ الَّذي ينبغي فشهوته لا تدعوه إلى الشرّ ، فالشيطان المتدرّع بها لا يأمر إلا بالخير . ومهما غلب على القلب ذكر الدّنيا ومقتضيات الهوى وجد الشيطان مجالا فوسوس ، ومهما انصرف القلب إلى ذكر اللَّه تعالى ارتحل الشيطان وضاق مجاله وأقبل الملك والهمّ ، فالتطارد بين جندي الملائكة والشياطين في معركة القلب دائم إلى أن ينفتح القلب لأحدهما فيسكن ويستوطن ويكون اجتياز الثاني اختلاسا ، وأكثر القلوب قد فتحها جنود الشيطان وملكوها فامتلأت بالوساوس الدّاعية إلى إيثار العاجلة وإطراح الآخرة ، ومبدء استيلائها اتّباع الهوى . ولا يمكن فتحها بعد ذلك إلا بتخلية القلب عن قوت الشيطان وهو الهوى والشهوات وعمارته بذكر اللَّه تعالى إذ هو مطرح أثر الملائكة ، قال جرير بن عبيدة العدويّ : شكوت إلى العلاء بن زياد ما أجد في صدري من الوسوسة فقال : إنّما مثل ذلك مثل البيت الَّذي يمر به اللَّصوص فإن كان فيه شيء عالجوه وإلا مضوا وتركوه . يعني أنّ القلب الخالي عن الهوى لا يدخله الشيطان ، ولذلك قال اللَّه تعالى : « إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان » ( 1 ) وكل من اتّبع الهوى فهو عبد الهوى لا عبد اللَّه فلذلك تسلَّط عليه الشيطان ، وقال اللَّه تعالى : « أفرأيت من اتّخذ إلهه هواه » ( 2 ) هو إشارة إلى أنّ الهوى إلهه ومعبوده فهو عبد الهوى لا عبد اللَّه . وقال عثمان بن أبي العاص : « يا رسول اللَّه حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي ، فقال : ذلك شيطان يقال له خنزب ، إذا أحسست به فتعوّذ باللَّه منه واتفل عن يسارك ثلاثا ، قال : ففعلت ذلك فأذهبه اللَّه عنّي » ( 3 ) وفي الخبر « أنّ للوضوء شيطانا يقال له : ولهان فاستعيذوا باللَّه منه » ( 4 ) ولا يمحو وسوسة الشيطان عن القلب
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 50
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٥٠
هامش
( 1 ) الاسراء : 65 .
( 2 ) الجاثية : 23 .
( 3 ) أخرجه مسلم ج 7 ص 21 . وقال النووي قوله « حال بيني وبين صلاتي » أي نكدني فيها ومنعني لذتها والفراغ للخشوع فيها .
( 4 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 421 وفي هامشه قوله عليه السّلام « ولهان » مصدر « وله » إذا تحير الشيطان لالقاء الناس في التحيير سمى بهذا الاسم .