ما ينبّه على حقّية ما ذكرناه من عجائب تردّد القلب بين عالم الشهادة وعالم الملكوت .
وأمّا السبب في انكشاف الأمور في المنام بالمثال المحوج إلى التعبير وكذلك تمثّل الملائكة بصور مختلفة للأنبياء والأولياء فذلك أيضا من أسرار عجائب القلب ولا يليق ذلك إلا بعلم المكاشفة فلنقتصر على ما ذكرناه فانّه كاف للاستحثاث على المجاهدة وطلب الكشف منها .
* ( بيان تسلَّط الشيطان على القلب بالوسواس ) *
* ( ومعنى الوسوسة وسبب غلبتها ) *
اعلم أنّ القلب مثاله مثال قبّة لها أبواب تنصبّ إليها الأحوال من كلّ باب ومثاله أيضا مثال هدف تنصبّ إليه السهام من الجوانب ، أو هو مثال مرآة منصوبة تجتاز عليها أصناف الصور المختلفة فيتراءى فيها صورة بعد صورة ولا يخلو عنها ، أو مثال حوض ينصبّ إليه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة إليه وإنّما مداخل هذه الآثار المتجدّدة في القلب في كلّ حال إمّا من الظاهر فالحواسّ الخمس ، وإمّا من الباطن فالخيال والشهوة والغضب والأخلاق المركَّبة في مزاج الإنسان ، فانّه إذا أدرك بالحواسّ شيئا حصل منه آثر في القلب وكذلك إذا هاجت الشهوة مثلا بسبب كثرة الأكل أو بقوّة في المزاج حصل منها في القلب أثر وإن كفّ عن الإحساس والخيالات الحاصلة في النّفس تبقى ، وينتقل الخيال من شيء إلى شيء ، وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال ، والمقصود أنّ القلب في التغيّر والتأثّر دائما من هذه الأسباب ، وأخصّ الآثار الحاصلة في القلب هي الخواطر ، وأعني بالخواطر ما يعرض فيه من الأفكار والأذكار ، وأعني به إدراكاته علوما إمّا على سبيل التجدّد وإمّا على سبيل التذكَّر فإنّها تسمّى خواطر من حيث أنّها تخطر بعد أن كان القلب غافلا عنها ، والخواطر هي المحرّكات للإرادات فإنّ النيّة والعزم والإرادة إنّما يكون بعد خطور المنويّ بالبال لا محالة ، فمبدأ الأفعال الخواطر ، ثمّ الخاطر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 47
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٧