تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨

يحرّك الرّغبة والرّغبة تحرّك العزم ، والعزم يحرّك النيّة ، والنيّة تحرّك الأعضاء . والخواطر المحرّكة للرّغبة تنقسم إلى ما يدعو إلى الشرّ أعني ما يضرّ في العاقبة ، وإلى ما يدعو إلى الخير أعني ما ينفع في الآخرة فهما خاطران مختلفان فافتقرا إلى اسمين مختلفين ، فالخاطر المحمود يسمّى إلهاما ، والخاطر المذموم أعني الدّاعي إلى الشرّ يسمّى وسواسا ، ثمّ إنّك تعلم أنّ هذه الخواطر حادثة ، وكلّ حادث لا بدّ له من سبب ، ومهما اختلفت الحوادث دلّ على اختلاف الأسباب هذا ما عرف من سنّة اللَّه عزّ وجلّ في ترتيب المسبّبات على الأسباب ، فمهما استنار حيطان البيت بنور النّار وأظلم سقفه واسودّ بالدّخان علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة ، فكذلك لأنوار القلب وظلماته سببان مختلفان : فسبب الخاطر الدّاعي إلى الخير يسمّى ملكا وسبب الخاطر الدّاعي إلى الشرّ يسمّى شيطانا ، واللَّطف الَّذي به يتهيّأ القلب لقبول إلهام الملك يسمّى توفيقا ، والَّذي به يتهيّأ لقبول وسواس الشيطان يسمّى إغواء وخذلانا ، فإنّ المعاني المختلفة يفتقر إلى أسامي مختلفة والملك عبارة عن خلق خلقه اللَّه تعالى ، شأنه إفاضة الخير وإفادة العلم وكشف الحقّ والوعد بالخير والأمر بالمعروف ، وقد خلقه اللَّه وسخّره لذلك ، والشيطان عبارة عن خلق شأنه ضدّ ذلك وهو الوعد بالشرّ والأمر بالفحشاء والتخويف عند الهمّ بالخير بالفقر . فالوسوسة في مقابلة الإلهام والشيطان في مقابلة الملك والتوفيق في مقابلة الخذلان وإليه الإشارة بقوله تعالى : « ومن كلّ شيء خلقنا زوجين لعلَّكم تذكَّرون » ( 1 ) فإنّ الموجودات كلَّها متقابلة مزدوجة إلا اللَّه تعالى فإنّه لا مقابل له ، بل هو الواحد الحقّ الخالق للأزواج كلَّها . فالقلب متجاذب بين الشيطان والملك فقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « في القلب لمّتان لمّة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحقّ ، فمن وجد ذلك فليعلم أنّه من اللَّه فليحمد اللَّه ، ولمّة من العدوّ إيعاد بالشرّ وتكذيب بالحقّ ونهي عن الخير ، فمن وجد ذلك

هامش
( 1 ) الذاريات : 49 .