فليتعوّذ باللَّه من الشيطان ثمّ تلا « الشيطان يعدكم الفقر - الآية » ( 1 ) وقال بعض السلف : إنّما هما همّان يجولان في القلب همّ من اللَّه وهمّ من العدوّ فرحم اللَّه عبدا وقف عند همّه فما كان من اللَّه أمضاه وما كان للعدوّ جاهده ، ولتجاذب القلب بين هاتين اللَّمّتين قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن » ( 2 ) واللَّه سبحانه وتعالى منزّه أن يكون له أصبع مركَّبة من لحم ودم وعظم تنقسم بالأنامل ، ولكن روح الأصبع سرعة التقليب والقدرة على التحريك والتغيير ، فإنّك لا تريد أصبعك لشخصها بل لفعلها في التقليب والترديد ، وكما أنّك تتعاطى الأفعال بأصابعك فاللَّه تعالى إنّما يفعل ما يفعله باستسخار الملك والشيطان وهما مسخّران بقدرته في تقليب القلوب كما أنّ أصابعك مسخّرة لك في تقليب الأجسام مثلا ، والقلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملائكة ولقبول آثار الشياطين صلاحا متساويا ليس يترجّح أحدهما على الآخر وإنّما يترجّح أحد الجانبين باتّباع الهوى والإكباب على الشّهوات أو الإعراض عنها ومخالفتها فإن اتّبع الإنسان مقتضى الشهوة والغضب ظهر تسلَّط الشيطان بواسطة الهوى ، وصار القلب عشّ الشيطان ومعدنه لأنّ الهوى هو مرعى الشيطان ومرتعه وإن جاهد الشهوات ولم يسلَّطها على نفسه وتشبّه بأخلاق الملائكة صار قلبه مستقرّ الملائكة ومهبطهم ، ولمّا كان لا يخلو قلب عن شهوة وغضب وحرص وطمع وطول أمل إلى غير ذلك من صفات البشريّة المتشعّبة عن الهوى لا جرم لم يخل قلب أن يكون للشيطان فيه جولان بالوسوسة ولذلك قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ما منكم من أحد إلا وله شيطان ، قالوا : وأنت يا رسول اللَّه ؟ قال : وأنا إلا أنّ اللَّه عزّ وجلّ أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير » ( 3 ) وإنّما كان هذا لأنّ الشيطان لا يتصرّف إلا بواسطة الشهوة فمن أعانه اللَّه على شهوته حتّى صار لا ينبسط إلا حيث
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 49
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٩
هامش
( 1 ) البقرة : 268 ، والخبر رواه الترمذي في السنن ج 11 ص 109 وقال : هذا حديث حسن غريب .
( 2 ) أخرجه الحاكم كما تقدم آنفا .
( 3 ) أخرجه مسلم ج 8 ص 139 من حديث ابن مسعود .