عزّ وجلّ عبدا فهما في كتابه » ( 1 ) وليس هذا بالتعلَّم ، وقيل في تفسير قوله تعالى : « يؤتي الحكمة من يشاء » ( 2 ) : إنّه الفهم في كتاب اللَّه عزّ وجلّ ، وقال تعالى : « ففهّمناها سليمان » ( 3 ) خصّ ما انكشف له باسم الفهم ، وكان أبو الدّرداء يقول : المؤمن من ينظر من وراء ستر رقيق واللَّه إنّه للحقّ يقذفه اللَّه في قلوبهم ويجريه على ألسنتهم ، وقال بعض السّلف ظنّ المؤمن كهانة . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللَّه » ( 4 ) وإليه يشير قوله تعالى : « إنّ في ذلك لآيات للمتوسّمين » ( 5 ) . وقوله تعالى : « قد بيّنّا الآيات لقوم يوقنون » ( 6 ) . وعن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : « العلم علمان فعلم باطن في القلب فذلك هو النافع » ( 7 ) . وسئل بعض العلماء عن العلم الباطن ما هو ؟ قال : هو سرّ من سرّ اللَّه تعالى يقذفه اللَّه تعالى في قلوب أحبّائه لم يطَّلع عليه بشرا ولا ملكا ، وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « إنّ من أمّتي محدّثين ومكلَّمين » ( 8 ) وقرأ ابن عبّاس « وما أرسلنا من قبلك من رسول » ولا نبيّ ( ولا محدّث ) » ( 9 ) يعني الصدّيقين والمحدّث هو الملهم ، والملهم هو الَّذي انكشف له في باطن قلبه من جهة الدّاخل لا من جهة المحسوسات الخارجة . والقرآن مصرّح بأنّ التقوى مفتاح الهداية والكشف وذلك علم من غير
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 44
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٤
هامش
( 1 ) تقدم في المجلد الثاني ص 239 .
( 2 ) البقرة : 269 .
( 3 ) الأنبياء : 79 .
( 4 ) أخرجه البخاري في التاريخ والترمذي في السنن عن أبي سعيد والطبراني وابن عدي عن أبي إمامة كما في الجامع الصغير .
( 5 ) الحجر : 75 .
( 6 ) البقرة : 118 .
( 7 ) أخرجه الترمذي الحكيم في النوادر وابن عبد البرقي العلم كما في مختصره ص 90 من حديث الحسن مرسلا باسناد صحيح وأسنده الخطيب في التاريخ من رواية الحسن عن جابر باسناد جيد وأعله ابن الجوزي كما في المغني ، وأخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن كما في الجامع الصغير وقد مر نحوه في المجلد الأول ص 125 .
( 8 ) راجع صحيح البخاري ج 5 ص 15 .
( 9 ) الحج : 52 .