حجمها بحيث ينطبع فيها صورة العالم والسّماوات والأرض على اتّساع أكنافها ثمّ يسري من وجودها في الحسّ وجود في الخيال ، ثمّ منه وجود في القلب فإنّك أبدا لا تدرك إلا ما هو واصل إليك فلو لم يجعل للعالم كلَّه مثالا في ذاتك لما كان لك خبر بما يباين ذاتك ، فسبحان من دبّر هذه العجائب في القلوب والأبصار ثمّ أعمى عن دركها القلوب والأبصار حتّى صارت قلوب أكثر الخلق جاهلة بأنفسها وعجائبها .
فلنرجع إلى المقصود .
فنقول : القلب يتصوّر أن يحصل فيه حقيقة العالم وصورته تارة من اقتباس الحواسّ وتارة من اللَّوح المحفوظ ، كما أنّ العين يتصوّر أن يحصل فيها صورة الشمس تارة من النظر إليها ، وتارة من النظر إلى الماء الصّافي الَّذي يقابل الشمس ويحكي صورتها . فمهما ارتفع الحجاب بينه وبين اللَّوح المحفوظ رأى الأشياء فيه ويفجر إليه العلم منه فاستغنى عن الاقتباس من مداخل الحواسّ ، فيكون ذلك كتفجّر الماء من عمق الأرض ، ومهما أقبل على الخيالات الحاصلة من المحسوسات كان ذلك حجابا له عن مطالعة اللَّوح المحفوظ ، كما أنّ الماء إذا اجتمع من الأنهار في الحوض منع ذلك عن التفجّر من الأرض ، وكما أنّ من نظر إلى الماء الَّذي يحكي صورة الشمس لا يكون ناظرا إلى نفس الشمس فإذن للقلب بابان باب مفتوح إلى عالم الملكوت وهو اللَّوح المحفوظ وعالم الملائكة وباب مفتوح إلى الحواسّ الخمس المتمسّك بعالم الشهادة والملك وعالم الشهادة والملك أيضا يحاكي عالم الملكوت نوعا من المحاكات ، فأمّا انفتاح باب القلب إلى الاقتباس من الحواسّ فلا يخفى عليك ، وأمّا انفتاح بابه الدّاخلاني إلى عالم الملكوت ومطالعة اللَّوح المحفوظ فتعلمه علما يقينا بالتأمّل في عجائب الرؤيا ، واطَّلاع القلب في النوم على ما سيكون في المستقبل ، أو كان في الماضي من غير اقتباس من جهة الحواسّ ، وإنّما ينفتح ذلك الباب لمن أفرد ذكر اللَّه تعالى .
قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « سبق المفردون . قيل : ومن هم يا رسول اللَّه ؟ قال :
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 38
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٨