يصير قلبه إلى حالة يستوي فيها وجود كلّ شيء وعدمه ، ثمّ يخلو بنفسه في زاوية مع الاقتصار على الفرائض والرّواتب ، ويجلس فارغ القلب مجموع الهمّ ، ولا يفرّق فكره بقراءة قرآن ولا بالتأمّل في تفسيره ولا بكتب حديث وغيره بل يجتهد أن لا يخطر بباله شيء سوى ذكر اللَّه تعالى ، فلا يزال بعد جلوسه في الخلوة قائلا بلسانه :
« اللَّه اللَّه » على الدّوام مع حضور القلب إلى أن ينتهي إلى حالة يترك تحريك اللَّسان ويرى كأنّ الكلمة جارية على اللَّسان ، ثمّ يصبر عليه إلى أن ينمحي أثره عن اللَّسان ويصادف قلبه مواظبا على الذكر ، ثمّ يواظب عليه إلى أن ينمحي عن القلب صورة اللَّفظ وحروفه وهيئة الكلمة ويبقى معني الكلمة مجرّدا في قلبه حاضرا فيه كأنّه لازم له لا يفارقه وله اختيار إلى أن ينتهي إلى هذا الحدّ واختيار في استدامة هذه الحالة بدفع الوسواس وليس له اختيار في استجلاب رحمة اللَّه بل هو بما فعله قد تعرّض لنفحات الرّحمة فلا يبقى إلا الانتظار لما يفتح اللَّه له من رحمته الَّتي فتحها على الأنبياء والأولياء بهذا الطريق ، وعند ذلك إذا صدقت إرادته وصفت همّته ، وحسنت مواظبته ، ولم تجاذبه شهواته ، ولم يشغله حديث النفس بعلائق الدّنيا ، فتلمع لوامع الحقّ في قلبه ، ويكون في ابتدائه كالبرق الخاطف لا يثبت ثمّ يعود وقد يتأخّر وإن عاد فقد ثبت وقد يكون مختطفا ، وإن ثبت فقد يطول ثباته ، وقد لا يطول ، وقد يتظاهر أمثاله على التلاحق ، وقد يقتصر على فنّ واحد ، ومنازل أولياء اللَّه فيه لا تحصى كما لا يحصى تفاوت خلقهم وخلقهم ، وقد رجع هذا الطريق إلى تطهير محض من جانبك وتصفية وجلاء ، ثمّ استعداد وانتظار فقطَّ .
وأمّا النظار وذوو الاعتبار فلم ينكروا وجود هذا الطريق وإمكانه ، وإفضاؤه إلى المقصد على الندور ، فإنّه أكثر أحوال الأنبياء والأولياء ولكن استوعروا هذا الطريق واستبطئوا ثمرته ، واستبعدوا اجتماع شروطه ، وزعموا أنّ محو العلائق إلى ذلك الحدّ كالمتعذّر وإن حصل في حاله فثباته أبعد منه إذا دنى وسواس وخاطر يشوّش القلب ، قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « قلب المؤمن أشدّ تقلبا من القدر في
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 35
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٥