فكذلك القلب مثل الحوض والعلم مثل الماء والحواسّ الخمسة مثل الأنهار ويمكن أن تساق العلوم إلى القلب بواسطة أنهار الحواسّ والاعتبار بالمشاهدات حتّى يمتلي علما ويمكن أن تسدّ عنه هذه الأنهار بالخلوة والعزلة وغضّ البصر ويعمد إلى عمق القلب بتطهيره وبرفع طبقات الحجب عنه حتّى ينفجر ينبوع العلم من داخله .
فإن قلت : وكيف ينفجر العلم من ذات القلب وهو خال عنه ؟ فاعلم أنّ هذا من عجائب أسرار القلب ولا يسمح بذكره في علم المعاملة والقدر الَّذي يمكن ذكره أنّ حقائق الأشياء مسطورة في اللَّوح المحفوظ ، بل في قلوب الملائكة المقرّبين ، فكما أنّ المهندس يسطر صورة أبنية الدّار في بياض ثمّ يخرجها إلى الوجود على وفق تلك النسخة ، فكذلك فاطر السّماوات والأرض كتب نسخة العالم من أوّله إلى آخره في اللَّوح المحفوظ ، ثمّ أخرجه إلى الوجود على وفق تلك النسخة والعالم الَّذي خرج إلى الوجود بصورته يتأتّى منه صورة أخرى إلى الحواسّ والخيال ، فإنّ من ينظر إلى السّماء والأرض ثمّ يغضّ بصره يرى صورة السّماء والأرض في خياله حتّى كأنّه ينظر إليها ولو انعدمت السّماء والأرض ثمّ بقي هو لوجد صورة السّماء والأرض في نفسه كأنّه يشاهدها وينظر إليها ، ثمّ يتأدّى من خياله أثر إلى القلب فيحصل فيه حقائق الأشياء الَّتي وجدت في الحسّ والخيال فالحاصل في القلب موافق للعالم الحاصل في الخيال ، والحاصل في الخيال موافق للعالم الموجود في نفسه خارجا عن خيال الإنسان وقلبه ، والعالم الموجود موافق للنسخة الموجودة في اللَّوح المحفوظ .
وكان للعالم أربع درجات في الوجود : وجود في اللَّوح المحفوظ وهو سابق على وجوده الجسمانيّ ، ويتبعه وجوده الحقيقي ، ويتبع وجوده الحقيقي وجوده الخيالي أعني وجود صورته في الخيال ، ويتبع وجوده في الخيال وجوده العقليّ أعني وجود صورته في القلب .
وبعض هذه الوجودات روحانيّة وبعضها جسمانيّة ، والرّوحانيّة بعضها أشدّ روحانيّة من بعض ، وهذا لطف من الحكمة الإلهيّة إذ جعل حدقتك على صغر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 37
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٧