ذلك تارة عند المنام فينكشف فيه ما سيكون في المستقبل ، وتمام ارتفاع الحجاب بالموت وبه ينكشف الغطاء ، وفي اليقظة أيضا قد ينقشع الحجاب بلطف خفيّ من اللَّه تعالى ، فيلمع في القلب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب العلم تارة كالبرق الخاطف ، وأخرى على التوالي إلى حدّ مّا ، ودوامه في غاية الندور . فلم يفارق الإلهام الاكتساب في نفس العلم ، ولا في محلَّه ، ولا في سببه ، ولكن يفارقه من جهة زوال الحجاب وأنّ ذلك ليس باختيار العبد ، ولم يفارق الوحي الإلهام في شيء من ذلك بل في مشاهدة الملك المفيد للعلم ، فإنّ العلوم إنّما تحصل في قلوبنا بواسطة الملائكة وإليه الإشارة بقوله تعالى : « وما كان لبشر أن يكلَّمه اللَّه إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء » ( 1 ) . فإذا عرفت هذا فاعلم أنّ ميل أهل المجاهدة إلى العلوم الالهاميّة دون التعليميّة ، فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنّفه المصنّفون والبحث عن الأقاويل والأدلَّة المذكورة ، بل قالوا : الطريق تقديم المجاهدة بمحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلَّها والإقبال بكنه الهمّة على اللَّه تعالى ، فمهما حصل ذلك كان اللَّه تعالى هو المتولَّي لقلب عبده والمتكفّل بتنويره بأنوار العلم فإذا تولَّى اللَّه تعالى أمر القلب فاضت الرّحمة وأشرق النور في القلب ، وانشرح الصدر وانكشف له سرّ الملكوت ، وانقشع عن وجه القلب حجاب العزّة بلطف الرّحمة وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهيّة فليس على المريد إلا الاستعداد بالتصفية المجرّدة وإحضار الهمّة مع الإرادة الصادقة والتعطَّش التامّ ، والترصّد بدوام الانتظار لما يفتحه اللَّه من الرّحمة ، فالأنبياء والأولياء انكشفت لهم الأمور وفاض على صدورهم النور لا بالتعلَّم والدراسة للكتب بل بالزّهد في الدّنيا ، والتبرّي عن علائقها ، وتفريق القلب عن شواغلها ، والإقبال بكنه الهمّة على اللَّه تعالى « فمن كان للَّه كان اللَّه له » وزعموا أنّ الطريق في ذلك أوّلا أن يقطع علائق الدّنيا بالكلَّية ، فيفرغ قلبه عنها ويقطع همّه عن الأهل والمال والولد والوطن وعن العمل والولاية والجاه بل
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 34
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٤
هامش
( 1 ) الشورى : 51 .