تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
إلا لمن رسخه اللَّه لتدبير عباده في معاشهم ومعادهم وهم الأنبياء عليهم السّلام ، المؤيّدون بروح القدس المستمدّون من القوّة الإلهيّة فقلوبهم يتّسع لجميع الأمور ولا يضيق عنها ، وأمّا قلوب سائر الخلق فإنّها إذا اشتغلت بأمر انصرفت عن الآخر وقصرت عن الاستكمال فيه . * ( بيان الفرق بين الإلهام والتعلم ) * ( والفرق بين طريق المجاهدين في استكشاف الحقّ وطريق النظار في الاكتساب ) اعلم أنّ العلوم الَّتي ليست ضروريّة وإنّما تحصل في القلب في بعض الأحوال يختلف الحال في حصولها فتارة تهجم على القلب كأنّه القي فيه من حيث لا يدري وتارة تكتسب بطريق الاستدلال والتعلَّم ، فالَّذي يحصل لا بطريق الاكتساب وحيلة الدّليل يسمّى إلهاما ، والَّذي يحصل بالاستدلال يسمّى اعتبارا واستبصارا ، ثمّ الواقع في القلب بغير حيلة وتمحّل واجتهاد من العبد تنقسم إلى ما لا يدري العبد أنّه كيف حصل ، ومن أين حصل ، وإلى ما يطَّلع معه على السّبب الَّذي منه استفيد ذلك العلم وهو بمشاهدة الملك الملقي في القلب ، والأوّل يسمّى إلهاما ونفثا في الرّوع ، والثاني يسمّى وحيا ، ويختصّ به الأنبياء عليهم السّلام ، والأوّل يختصّ به الأولياء والأصفياء ، والَّذي قبله - وهو المكتسب بطريق الاستدلال - يختصّ به العلماء . وحقيقة القول فيه أنّ القلب مستعدّ لأن يتجلَّى فيه حقيقة الحقّ في الأشياء كلَّها وإنّما حيل بينه وبينها بالأسباب الخمسة الَّتي سبق ذكرها ، فهي كالحجاب المسدل الحائل بين مرآة القلب وبين اللَّوح المحفوظ الَّذي هو منقوش ، بجميع ما قضى اللَّه تعالى به إلى يوم القيامة وتجلَّي حقائق العلوم من مرآة اللَّوح في مرآة القلب يضاهي انطباع صورة من مرآة في مرآة تقابلها ، والحجاب بين المرآتين تارة يزال باليد ، وأخرى يزول بهبوب ريح تحرّكه ، وكذلك قد تهبّ رياح الألطاف وتكشف الحجب عن أعين القلوب فيتجلَّى فيها بعض ما هو مسطور في اللَّوح المحفوظ ، ويكون