فأمّا العلوم العقليّة فتنقسم إلى دنيويّة وأخرويّة فالدّنيويّة كعلم الطَّبّ والحساب والهندسة والنّجوم وسائر الحرف والصناعات ، والأخرويّة كعلم أحوال القلب وآفات الأعمال ، والعلم باللَّه تعالى وصفاته وأفعاله كما فصّلناه في كتاب العلم وهما علمان متنافيان أعني من صرف عنايته إلى أحدهما حتّى يتعمّق فيه قصرت بصيرته عن الآخر على الأكثر ، ولذلك ضرب عليّ عليه السّلام للدّنيا والآخرة بثلاثة أمثلة فقال : « هما ككفّتي الميزان ، وكالمشرق والمغرب ، وكالضرّتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى » [ 1 ] ولذلك ترى الأكياس في أمور الدّنيا وفي علم الطبّ والهندسة والحساب والفلسفة جهّالا في أمور الآخرة ، والأكياس في دقائق علوم الآخرة جهّالا في الأكثر بعلوم الدّنيا ، لأنّ قوّة العقل لا تفي بالأمرين جميعا في الغالب فيكون أحدهما مانعا من الكمال في الثاني ، ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أكثر أهل الجنّة البله » ( 1 ) أي البليد في أمور الدّنيا . وقال بعض السّلف : أدركنا أقواما لو رأيتموهم لقلتم مجانين ، ولو رأوكم لقالوا : شياطين . فمهما سمعت أمرا غريبا من أمور الدّين جحده أهل الكياسة في سائر العلوم فلا ينفرنّك جحودهم عن قبوله ، إذ من المحال أن يظفر سالك طريق المشرق بما يوجد في المغرب ، فكذلك يجري أمر الدّنيا والآخرة ولذلك قال اللَّه تعالى : « إنّ الَّذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدّنيا واطمأنّوا بها » ( 2 ) وقال تعالى : « يعلمون ظاهرا من الحياة الدّنيا وهم عن الآخرة هم غافلون » ( 3 ) وقال تعالى : « فأعرض عن من تولَّى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدّنيا . ذلك مبلغهم من العلم » ( 4 ) فالجمع بين كمال الاستبصار في مصالح الدّنيا والدّين لا يكاد يتيسّر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 32
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٢
هامش
( 1 ) أخرجه البزار عن أنس بسند ضعيف كما في الجامع الصغير » .
( 2 ) يونس : 7 .
( 3 ) الروم : 7 .
( 4 ) النجم : 29 و 30 .
[ 1 ] في النهج أبواب الحكم تحت رقم 103 « ان الدنيا والآخرة عدوان متفاوتان وسبيلان مختلفان : فمن أحب الدنيا وتولاها أبغض الآخرة وعاداها ، وهما بمنزلة المشرق والمغرب وماش بينهما ، كلما قرب من واحد بعد من الآخر وهما ضرتان .