صورة القفا في المرآة المحاذية للقفا ، ثمّ تنطبع صورة هذه المرآة في المرآة الأخرى الَّتي في مقابلة العين ثمّ تدرك العين صورة القفا ، فكذلك في اقتناص العلوم طرق عجيبة فيها ازورارات وتحريفات أعجب ممّا ذكرنا في المرآة يعزّ على بسيط الأرض من يهتدي إلى كيفيّة الحيلة في تلك الازورارات ، فهذه هي الأسباب المانعة للقلوب من معرفة حقائق الأمور وإلا فكلّ قلب فهو بالفطرة صالح لمعرفة الحقايق لأنّه أمر ربّانيّ شريف ، وإنّما فارق سائر جواهر العالم بهذه الخاصّيّة والشّرف وإليه الإشارة بقوله عزّ وجلّ : « إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان » ( 1 ) إشارة إلى أنّ له خاصّيّة تميّز بها عن السماوات والأرض والجبال ، بها صار مطيقا لحمل أمانة اللَّه تعالى وتلك الأمانة هي المعرفة والتوحيد ، وقلب كلّ آدميّ مستعدّ لحمل الأمانة ومطيق لها في الأصل ولكن ثبطَّه عن النهوض بأعبائها والوصول إلى تحقيقها الأسباب الَّتي ذكرناها ، ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه » ( 2 ) وقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « لولا أنّ الشّياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السّماء » ( 3 ) إشارة إلى بعض هذه الأسباب الَّتي هي الحجاب بين القلب وبين الملكوت وإليه الإشارة بما روي أنّه « قيل لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أين اللَّه في الأرض أو في السّماء ؟ قال : في قلوب عباده المؤمنين » [ 1 ] وفي الخبر « قال اللَّه تعالى : لم يسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن اللَّيّن الوادع » [ 2 ] وفي الخبر « أنّه قيل للنّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : من خير الناس ؟ فقال : كلّ مؤمن مخموم القلب ، فقيل : وما مخموم القلب ؟ فقال : هو التقيّ النقيّ الَّذي لا غشّ فيه ولا بغي ولا غدر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 26
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٦
هامش
( 1 ) الأحزاب : 72 .
( 2 ) أخرجه أبو داود ج 2 ص 531 .
( 3 ) تقدم آنفا .
[ 1 ] لم أجده بهذا اللفظ انما روى الطبراني في الكبير عن أبي عتبة الخولاني بسند ضعيف كما في الجامع الصغير « ان للَّه تعالى آنية من أهل الأرض وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين وأحبها إليه الينها وأرقها » .
[ 2 ] لم أجده بهذا اللفظ انما روى الطبراني في الكبير عن أبي عتبة الخولاني بسند ضعيف كما في الجامع الصغير « ان للَّه تعالى آنية من أهل الأرض وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين وأحبها إليه الينها وأرقها » .